الجزء الثاني: الديمقراطية في الشرق الأوسط
كثيرا ما نسمع مصطلح الديمقراطية يتردد على ألسنة العرب، وطبعا هذا المصطلح ليس نابعا من ثقافة منطقتنا بل هو استيراد من الغرب، وفي العقود الأخيرة ازداد استخدام هذا المصطلح بشكل كبير بفضل الإعلام الأميركي الذي لا يفتئ يعلك هذه الكلمة (حسب مفهومه الخاص لها والذي تحدثت عنه في تدوينتي السابقة) وينثرها في كل مكان بمناسبة وبدون مناسبة.
لقد ألقت لنا أميركا هذه العلكة فبدأنا نعلك معها، ولكن هل نحن نفهم معنى هذه الكلمة حقا أم أننا نعلكها –أيضا على الطريقة الأميركية- على هوانا وحسب مشروع كل منا السياسي الذي قد لا تكون له أي علاقة بالديمقراطية؟
من المفيد جدا أن ننظر إلى نماذج ممن يتحدثون عن الديمقراطية في الشرق الأوسط:
- بنيامين نتنياهو—رئيس وزراء دولة إسرائيل الديمقراطية!
- تيار 14 آذار في لبنان—بزعاماته ذات المشروع العريق في الديمقراطية!
- جماعة الإخوان المسلمين والتيارات السياسية الشيعية –لا تعليق!
معظم من يتحدثون بالديمقراطية من هؤلاء يفهمونها بالمعنى التالي: حكم الأكثرية (ونقطة على السطر). هل هذا هو مفهوم الديمقراطية حقا؟ عندما تطلب المزيد من التوضيح منهم فإنهم يوضحون لك مرادهم بصورة أدق: الديمقراطية هي أن تحكم المجتمع الطائفة الدينية الأكبر فيه!
لا أدري من أخبر هؤلاء أن هذه هي الديمقراطية، ولكن من الواضح أن مفهومهم للديمقراطية نابع –بخلاف اسم الديمقراطية نفسها- من تاريخ منطقتنا الممتد لآلاف السنين، والذي هو تاريخ غير منقطع من الصراع الطائفي.
إن منطقة الهلال الخصيب هي منطقة متنوعة الطوائف الدينية منذ بداية تاريخها المعروف، ولم يحدث يوما (حسب ما أعلم) أن توحدت هذه المنطقة الممتدة بين جبال زاغروس والبحر المتوسط على دين أو عقيدة واحدة. هذا التنوع الأزلي يعطي هذه المنطقة المسماة بمهد الحضارة طابعا خاصا يختلف عن طابع المناطق المحيطة بها كمصر أو الجزيرة العربية مثلا، وهذا الطابع الخاص كان -للأسف- على الدوام طابعا تقطر منه الدماء وتفوح منه رائحة الأحقاد والعصبيات العميقة المتجذرة. منطقة الهلال الخصيب هي -باختصار- منطقة حرب طائفية أزلية، وهذه الحرب لم تنقطع منذ زمن سرغون الأكدي إلى يومنا هذا.
الحرب الطائفية ليست قدرا لا فكاك منه، بل هي واقع فرضه الجهل. ما يصنع الحروب الطائفية هو التعصب، وما يصنع التعصب هو الجهل. التعصب ليس أمرا يكتسبه الإنسان بالتعلم بل هو في الواقع ينشأ من غياب التعلم. إنه نتاج لحالة سلبية passive وليست إيجابية active.
ما قضى على الحروب الطائفية في أوروبا القرون الوسطى كان النهضة العلمية الثقافية التي بدأت من إيطاليا وانتشرت في أنحاء أوروبا بعد ذلك. في البداية نشأت نخبة متعلمة في أوروبا (النخبة البرجوازية) وهذه النخبة هي التي اصطدمت مع النخبة الإقطاعية-الدينية القديمة وأجبرتها على تبني مبادئ المواطنة الحديثة التي تضمن المساواة بين جميع المواطنين بغض النظر عن هوياتهم الدينية والثقافية. لقد تحول التسامح الديني في أوروبا بفضل هؤلاء المتنورين إلى فضيلة بعد أن كان رذيلة، وتحول الصراع العنيف بين الطوائف والأديان إلى مجرد صراع فكري وثقافي بعد أن ضمن الجميع حقوقا وواجبات متساوية في الدولة بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية.
هذه الصورة هي ما لم يحدث في منطقتنا بعد. مجتمعات الهلال الخصيب ما زالت تعيش في مرحلة ما قبل المواطنة، وهي نفس الحالة التي كنا نعيشها في عصور الإقطاع العثماني والمملوكي وما قبلها. مجتمعات بدائية كهذه لا يمكنها أن تستوعب أي شكل من أشكال السياسة الوطنية national politics ولكنها تستوعب فقط سياسة الهوية identity politics، وهو الاسم العلمي للطائفية والقبلية. “المواطن” في بلادنا لا يبني موقفه السياسي على أساس هوية وطنية وإنما على أساس هوية طائفية أو قبلية. المسلم يبني موقفه السياسي بناء على كونه مسلما، والمسيحي يبني موقفه السياسي بناء على كونه مسيحيا وهكذا. لا وجود حقيقي لدينا للدولة الوطنية nation-state، وإنما نحن عبارة عن مجتمع إقطاعي ديني بامتياز شبيه بالمجتمعات الأوروبية في القرون الوسطى.
في القرون الوسطى لم يكن هناك في أوروبا شيء اسمه ديمقراطية، لأن الديمقراطية لا يمكن تطبيقها إلا في دولة وطنية قائمة على مبدأ المساواة بين المواطنين بغض النظر عن هوياتهم؛ أما تطبيق “الديمقراطية” في دولة إقطاعية بدائية لاوطنية فهو ضحك على الذقون ومحاولة مفضوحة لإنشاء ديكتاتورية طائفية تحت شعار “الديمقراطية” الزائف.
هذا الخداع والتلاعب بالألفاظ ومعانيها هو التعليك الديمقراطي الذي أتحدث عنه. عندما أسمع شخصا ينتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين يطالب بالديمقراطية فأنا لا أملك إلا أن أتعجب. جماعة الإخوان المسلمين لا تؤمن بالدولة الوطنية إلا كمرحلة مؤقتة بهدف الوصول للسلطة، ولكنهم بعد وصولهم للسلطة سوف يقومون بإلغاء الدولة الوطنية وإقامة دولة طائفية بدائية، وهذا ليس تحليلي الشخصي لأهدافهم وإنما هذا هو ما يقولونه صراحة في كتبهم وأدبياتهم. إنهم يقولون صراحة أن الدولة الوطنية ما هي بالنسبة لهم إلا مرحلة مؤقتة قبل الوصول إلى ما يسمونه بـ”تطبيق الشريعة.”
نفس التعجب ينتابني عندما أسمع بنيامين نتنياهو يتحدث عن الديمقراطية. إن “دولة إسرائيل” هي أبرز مثال على الديكتاتورية الطائفية في العالم. “إسرائيل” هي الدولة التي أقيمت على أشلاء الفلسطينيين الذين قتلوا وهجروا تحت شعار إقامة “الدولة اليهودية”. وإلى يومنا هذا لا يحق لأي فلسطيني من السكان الأصليين المهجرين أن يعود إلى “إسرائيل” بينما يحق لأي يهودي من أي مكان من العالم أن يستوطن في إسرائيل ويتجنس أوتوماتيكيا فقط لكونه يهوديا!
وإلى جانب “إسرائيل” تقع الدولة اللبنانية التي أقيمت في البداية على أساس أنها دولة “مارونية” أو “مسيحية” ثم تم تغيير هويتها بعد ذلك وتحولت إلى اتحاد سياسي شكلي بين إقطاعات طائفية متنازعة. ومن مساخر الدهر أن يتحدث زعماء الإقطاعات الطائفية اللبنانية عن “الديمقراطية”!
الديمقراطية الأميركية في العراق لم تخرج عن إطار التعليك الديمقراطي الذي أتحدث عنه. الديمقراطية في العراق لها وجهان: وجه أميركي هو المصلحة القومية الأميركية، ووجه آخر محلي هو الدكتاتورية الطائفية الشيعية التي يبدو أنها تتحول الآن إلى اتحاد إقطاعات طائفية على النمط اللبناني.
باختصار لا يوجد نموذج للديمقراطية في منطقتنا. ربما يكون النموذج التركي الذي يتكون الآن هو أول نموذج جدي للديمقراطية في المنطقة، ولكن علينا الانتظار لنرى خواتيم الأمور قبل أن نصدر حكما نهائيا. حتى لو تكللت التجربة التركية بالنجاح، فعلينا ألا ننسى أن تركيا هي حالة خاصة في المنطقة بسبب التجربة الأتاتوركية التي تركت تراثا سياسيا ووطنيا قويا جدا ما زال أثره ساريا حتى الآن، بالإضافة إلى النجاح الاقتصادي المبهر الذي حققته تركيا في العقود الماضية. دول المنطقة الأخرى تفتقر إلى نخبة علمانية قوية كالنخبة المسيطرة في الجيش التركي وتفتقر إلى وضع اقتصادي مزدهر كالوضع التركي.
الأفكار الوطنية وصلت إلى بلادنا من الغرب بعد الحملة الفرنسية على مصر في أواخر القرن الثامن عشر، ولكن انتشارها ظل مقصورا على النخب المتعلمة فقط بسبب فساد وتخلف أجهزة الدولة العثمانية الحاكمة حينئذ. عندما جاء الاستعمار الغربي انتشرت الأفكار الليبرالية أيضا بين النخب وتم إنشاء الدول الوطنية العربية على نمط الدول الغربية؛ واستمرت النخب الليبرالية في حكم هذه الدول لفترة بسيطة إلى أن جاء زمن الانقلابات العسكرية (التي كان سببها الأساسي سياسات الاستعمار الغربي في المنطقة) والتي أدت إلى استبداد العسكر بالحكم واجتثاث النخب الليبرالية وعزلها عن المجتمع. الفترة البسيطة التي مرت بين قيام الدول الوطنية العربية وبين مجيء الحكم العسكري لم تسمح للفكر الوطني المؤسساتي أن يتغلغل في طبقات المجتمع الوسطى والدنيا إلا بشكل محدود، والأهم هو أن هذه الفترة البسيطة لم تكن كافية أبدا لإحداث نهضة تعليمية وثقافية حقيقية في تلك المجتمعات، ولذلك فإن رواسب العصر الإقطاعي من جهل وتعصب طائفي كانت ما تزال حاضرة بقوة عندما وقع الصراع على الحكم بين النخب الليبرالية وبين العسكر، وفيما بعد بين العسكر أنفسهم. هذه الرواسب الجاهلية شوهت الصراع السياسي على الحكم وأعطته طابعا طائفيا شبيها بطابع حروب القرون الوسطى الدينية التي حاول البعض (كجماعة الإخوان المسلمين في سورية) إحياءها مجددا في القرن العشرين، رغم أن الطابع الحقيقي للصراع على الحكم كان سياسيا وطبقيا ولم يكن للعامل الديني فيه دور يذكر.
هذه النزاعات الطائفية التي قامت على خلفية سياسية انتهت في كل الحالات إلى حسم بالقوة لمصلحة أحد أفرقاء النزاع. في العراق وسورية كان الحسم داخليا، أما في لبنان (و”إسرائيل” قبل ذلك) فإن الحسم كان بفعل تدخل خارجي إلى جانب أحد أطراف النزاع. في كل الحالات فإن النظام الذي نشأ كان نظاما ديكتاتوريا، ولكن الفرق بين الحالتين العراقية والسورية من جهة والحالتين اللبنانية والفلسطينية من جهة ثانية هو أن أنظمة الحكم التي قامت في العراق وسورية كانت إلى حد كبير أنظمة وطنية بخلاف الأنظمة الطائفية التي قامت في لبنان وقبل ذلك في “إسرائيل.”
كل هذه الأنظمة فشلت في بناء ثقافة وطنية مؤسساتية وإحداث نهضة تعليمية وثقافية في مجتمعاتها إلى الحد الذي يلغي تأثير العصبيات الطائفية الموروثة والتي ما زالت حاضرة بقوة حتى الآن. الدولة الوطنية في العراق انهارت بفعل التدخل الأميركي وتم استبدالها بديكتاتورية طائفية تتجه نحو أن تتحول إلى اتحاد إفطاعات طائفية على النمط اللبناني. في لبنان تزداد الطائفية ترسخا بعد أن فشل المشروع الوطني اللبناني في إلغاء الطائفية السياسية وبعد أن دخلت على الخط اللبناني دول إقليمية طائفية لا علاقة لها بالوطنية (وهي تحديدا السعودية وإيران، إلى جانب “إسرائيل” طابعا التي هي لاعب قديم). أما في فلسطين فإن الصهاينة ازدادوا تصهينا وتطرفا والفلسطينيون يقتربون أكثر فأكثر من الخط الإسلاموي الذي يرى الصراع مع الصهاينة صراعا طائفيا دينيا لا صراعا وطنيا. سورية هي الدولة الوحيدة من دول الهلال الخصيب التي ما زالت تحافظ على نظام حكم وطني، ولكن هذا النظام معرض لمخاطر بفعل التأثيرات الإقليمية السلبية للغاية التي تشجع النعرات الطائفية في المجتمع السوري (خاصة من السعودية وإعلامها وأتباعها)، ناهيك عن أن الأوضاع الاقتصادية الصعبة في سورية هي عامل يزيد من إشعال النعرات والعصبيات والنزعات المتطرفة خاصة في ظل غياب منافذ للتفريغ والتعبير السياسي العلماني عن الضوائق الاقتصادية والاجتماعية.
لتحقيق الديمقراطية الحقيقية في بلادنا نحن بحاجة لأمرين: إصلاح التعليم وتطويره وبناء ثقافة وطنية مؤسساتية قوية، وهذان الأمران هما ما تحدث عنهما الرئيس بشار الأسد مؤخرا وقال أنهما لن يتحققا قبل الجيل القادم. أما في الفترة التي تفصلنا عن تحقيق هذا الهدف فأنا لا أعلم ما هي الخطة، ولكن المتوقع هو أنه ستكون هناك إصلاحات سياسية محدودة قريبا في سورية، وهذه الإصلاحات لن تقود إلى الديمقراطية بطبيعة الحال ولكنها ستكون خطوة تمهيدية وتلطيفية تساعد على تنفيس الاحتقانات السائدة في المجتمع السوري حاليا والتخفيف منها. ما يهمني كإنسان وطني في هذه المرحلة هو أن تتجنب سورية ديمقراطية “العلاكين” سواء كانوا من الأميركان أو من الإخوان المسلمين بأبواقهم الإعلامية التي لا تعد ولا تحصى.


