عتم الأتراك على الفضيحة المخزية التي تعرضوا لها بالأمس في شمال الكيان السوري. هم يزعمون أن قواتهم وصلت إلى قبر سليمان شاه، ولكن شهود العيان قالوا أن القوات لم تصل وأن داعش أعادتها أدراجها إلى تركيا.

لا أدري لماذا يعتم الأتراك على ما حصل. هناك أكثر من احتمال:

  • هم ربما لا يريدون خوض حرب مع داعش لأنهم يخافون منها ومن قدرتها على تنفيذ العمليات الانغماسية داخل تركيا.
  • هم ربما يخططون لتكرار العملية مجددا بقوة أكبر، ولهذا هم يحاولون التمويه والتعمية.

 

إذا ترك الأتراك المسألة عند هذا الحد ولم يرسلوا قوة جديدة إلى القبر فإن هذه ستكون فضيحة من العيار الثقيل. صحيح أن تركيا أثبتت في الفترة الماضية أنها دولة ضعيفة وعاجزة، ولكن هل يمكن أن يصل الأمر إلى حد الاستسلام أمام داعش؟

ما حصل عمليا هو أن داعش استولت على قبر سليمان التركي وفرضت حصارا عليه، أي أن كل البيانات الرسمية التركية التي تعهدت بحماية القبر أصبحت فارغة من مضمونها ويجب أن تلقى في سلة القمامة.

أنا أرى أن الحكومة التركية بكاملها يجب أن تلقى في سلة القمامة في حال انتهت المسألة عند هذا الحد.

رد الفعل الطبيعي على ما حدث بالأمس هو أن يدخل الجيش التركي في عملية غزو شاملة لمحافظة الرقة. هكذا كانت ستتصرف أية دولة، حتى ولو كانت دولة نامية تعيسة.

ما يلي من صفحة “شاهد عيان” على الفيسبوك:

شاهد عيان #حلب || رتل عسكري تركي ضخم مؤلف من اكثر من ١٢ عربة مدرعة و١٠ عربات مصفحة وشاحنات مغلقة وعشرات جنود المارينز التركي شوهدت قبل قليل على جسر قره قوزاك في ريف منبج وقسم منها دخل ضريح سليمان شاه ويعتقد بأنها تبديل للحراسة حول الضريح.

شاهد عيان #حلب || فيما يخص خبر الرتل العسكري التركي في ريف منبج : دخل رتل للجيش التركي من منطقة عين العرب لتبديل عناصره في قبر سليمان شاه في قرة قوزاق و لكن داعش اعترضت هذا الرتل وصادرته والان تذهب به الى مدينة منبج.

شاهد عيان #حلب || بوادر ازمة كبيرة بين تركيا و داعش بعد اعتراض داعش للرتل العسكري التركي في ريف منبج و الطيران الحربي التركي مستنفر في سماء الحدود السورية التركية من جهة جرابلس.

شاهد عيان #حلب || #منبج
الرتل العسكري التركي الان في منبج في منطقة العزر خلف سوق المازوت مقابل مدرسة الغسانية و اعلام داعش فوق الرتل التركي.

شاهد عيان حلب || يتحرك الان الرتل التابع للجيش التركي من منبج باتجاه جرابلس تحت حماية داعش.

شاهد عيان #حلب || #منبج
بالنسبة للأخبار الواردة من منبج قدم رتل عسكري تركي إلى ضريح سليمان شاه من أجل القيام بعملية تبديل مع الحرس المتواجدين في الضريح حدث هناك مرافقة للرتل من قبل عناصر داعش المتواجدين في المنطقة لحمايته حتى خروجه من الأراضي السورية عبر بوابة جرابلس و قد تم نقل أخبار متضاربة بسبب عدم فهم النشطاء و الشهود في المنطقة لما حدث و بأن هناك تنسيق بين داعش و تركيا في الموضوع.

 

الخلاصة هي أن داعش منعت الرتل من الوصول إلى القبر ورافقته حتى مدينة منبج ومن هناك إلى جرابلس ثم إلى تركيا، أي أن الرتل التركي رجع قافلا إلى تركيا وهو يجر أذيال الخيبة.

هل ستسكت تركيا على هذه الفضيحة؟

لا بد أن تندلع الآن حرب بين تركيا وداعش، اللهم إلا إذا كانت تركيا قد تحولت إلى سيرك وحكامها أصبحوا مهرجين.

خبر يتعلق بدخول القوات التركية:

مكتب شبكة ولاتي – كوباني

أفاد مدير مكتب شبكة ولاتي أن عشرات العربات العسكرية التركية محملة بالجنود والعتاد دخلت إلى مدينة كوباني من المعبر متجهة إلى مقبرة سليمان شاه برفقة قوات الاسايش التابعة لكانتون كوباني في تمام الساعة الرابعة من فجر اليوم الأربعاء.

وأضاف مدير مكتبنا في كوباني أن القوات التركية اتجهت إلى مقبرة سليمان شاه جنوب مدينة كوباني 45كم على نهر الفرات تحت حماية قوات الاسايش مشيرا إلى ان تلك القوات مرت من تحت أعلام قوات الاسايش ووحدات حماية الشعب, لافتا أنه وبعد خروجها من حدود سيطرة وحدات حماية الشعب ومقاطعة كوباني ودخولها مناطق يسيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام, قامت عناصر داعش بمحاصرة تلك القوات بالأسلحة الثقيلة, شرقي المقبرة بحوالي 3كم .

وأشار مدير مكتبنا أن الحوارات تجري بين تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش” والقوات التركية للسماح لها بالوصول إلى مقبرة سليمان شاه لتقوم بتغيير جنودها الذين يحمون المقبرة, مشيرا إلى أن هناك استنفارا تاما بين جميع القوى المتواجدة في محيط المنطقة.

وحسب مصدر لشبكة ولاتي أن داعش قامت باحتجاز تلك القوات واقتادتهم إلى مدينة منبج دون أي اشتباك بين الطرفين.

ويذكر أن دخول القوات التركية إلى غربي كوردستان ومرورها بمدينة كوباني جاء بموجب اتفاق سابق جرى بين كانتون كوباني والحكومة التركية أثناء زيارة وفد الخارجية إلى تركيا.

 

هذه القوة التركية الكبيرة ستتمركز في عمق ولاية الرقة التابعة لداعش. أنا لدي شعور بأن اندلاع النزاع بين الطرفين هو مسألة وقت فقط، وبعد ذلك سوف تدخل المزيد من القوات التركية وسوف يدخل الطيران التركي أيضا.

بذريعة محاربة داعش يمكن للجيش التركي أن ينتشر في مساحة واسعة من الكيان السوري تشمل على الأقل محافظتي الرقة والحسكة.

تطور في القضية السورية:

أرسلت السلطات التركية رتلاً عسكرياُ مؤلفاً من آليات و عناصر إلى ضريح سليمان شاه الذي يعتبر أرضاً تركية داخل سوريا بموجب اتفاقية تعود للعام 1921.

و نفت وسائل إعلام تركية ما نشرته صحيفة راديكال المعارضة عن تعرض الرتل للحصار من قبل حزب العمال الكردستاني أو من قبل تنظيم داعش.

و نقل الإعلام التركي عن أردوغان قوله إن تم إرسال قوة مدرعة و مدعمة بـ 300 عنصر إلى داخل الأراضي التركية لحماية قبر ” سليمان شاه ” مؤسس الدولة العثمانية.

و قال أردوغان إن القوات التي تم إرسالها ستدعم الوحدة الموجودة أصلاً داخل الضريح، و ستقوم بالمساعدة على حمايته لما يشكله من أهمية تاريخية بالنسبة للأتراك.

و أوضح الإعلام التركي أن الرتل يتألف من 12 مركبة عسكرية مدرعة و و 6 دبابات و 300 عنصر، بالإضافة إلى شاحنة مواد غذائية.

و أكدت المصادر التركية أن الرتل دخل من عين العرب و عبر من خلال جسر قره قوزاق وصولاً إلى ضريح سليمان شاه، دون أي إشكالات.

 

أنا أستغرب كيف أن قوة كبيرة كهذه دخلت إلى الأراضي السورية دون تغطية جوية. أليس هذا ضربا من الجنون؟

ماذا لو قررت عائلة الأسد أن تغير على هذه القوة بواسطة الطيران؟

ماذا لو استولت داعش على طائرة من طائرات النظام السوري وأغارت على هذه القوة؟ ألن تكون هذه كارثة؟

دخول قوة عسكرية كبيرة كهذه يستلزم بالضرورة توفير غطاء جوي لها، وهذا ربما سيكون مدخلا لتوفير غطاء جوي للمنطقة العازلة التي يجب إنشاؤها بهدف استيعاب اللاجئين الهاربين من القصف بالبراميل.

نشر موقع دبكا الإسرائيلي مقالا يشرح من الألف إلى الياء قصة قنابل الكلور التي بدأت عائلة الأسد باستخدامها مؤخرا. حسب المقال فإن مصدر الكلور هو شركة في مدينة Hangzhou في شرق الصين. هذه الشركة تبيع عبوات الكلور بهدف استخدامها في تعقيم المسابح وفي صنع مواد التنظيف المنزلية. حسب المقال فإن الإيرانيين يشترون عبوات الكلور من هذه الشركة وينقلونها جوا إلى مطار دمشق، وهناك يقوم فنيون (إيرانيون حسب زعم المقال) بإعادة تعبئة الكلور في عبوات مناسبة للإلقاء من طائرات ومزودة بصواعق تفجير.

عائلة الأسد استخدمت هذه القنابل الكلورية في الراموسة وفي كفر زيتا وغيرهما.

On April 11, Syrian planes dropped the new weapon, made of Chinese-manufactured chlorine gas canisters rigged with explosive detonators, on Kafr Zita near Hama. Since then, British and French intelligence sources have reported at least four such attacks against the northern towns of Idlib and Homs and the Harasta and Jobar districts outside Damascus.
Assad is dropping these gas bombs at the rate of one every three days.

Debkafile’s intelligence and military sources report that he is amply supplied by Iran, which is buying industrial quantities of chlorine made in Shanghai over the Internet, where the product is advertised by a company in the East Chinese town of Hangzhou. It costs $1,000 per ton. The Chinese firm is willing to meet minimum orders for 50 canisters and up to a maximum of 30,000. Most of its clients are owners of swimming pools and manufactures of common household cleaning agents based on chlorine.

Our sources report that Tehran has so far ordered 10,000 canisters. They are delivered by Iranian military transports to Damascus military airfield, where Iranian technicians repackage the chlorine in containers suitable for dropping by aircraft. They are rigged with detonators for explosions to release the chlorine gas on targets.
The use of chlorine as a weapon of war was banned by the 1925 Chemical Weapons Convention, which was promulgated after its use in World War I by the Germany army to gas hundreds of thousands of allied troops at Ypres.

موقع “عكس السير” هو موقع معارض يتابعه الكثير من المعارضين السوريين. أنا شخصيا لا أحترم هذا الموقع منذ بداية إنشائه وصعوده لأسباب عديدة لا مجال لذكرها. مستوى الموقع متدن جدا من الناحية المهنية (إلى درجة أن الموقع يتخذ من عبارة “قليل من الحيادية” شعارا له، أي أنه يفاخر بعدم حياديته).

حسب ما قرأت أو سمعت فإن صاحب هذا الموقع هو ليس صحفيا ولكنه يعمل في تجارة العقارات أو نحو ذلك.

أكثر ما يزعجني في هذا الموقع هو اعتماده للتحريض الطائفي كسياسة ممنهجة. الموقع ينشر باستمرار مقالات ذات نفس وهابي معادية للشيعة منقولة من مواقع المخابرات الأميركية وآل سعود. نشر مثل هذه المقالات الوهابية ربما لم يعد أمرا غريبا في هذا العصر الأميركي-السعودي، ولكن ما أزعجني اليوم هو مقال تحريضي ضد المسيحيين في حلب نشره الموقع.

أنا أظن أن صاحب هذا الموقع ينتمي فكريا إلى الإخوان المسلمين، وبالتالي ليس من المستغرب أن ينتهج سياسة التحريض الطائفي، ولكن التحريض ضد المسيحيين في حلب هو أمر خطير، خاصة وأن الكثير من الحلبيين المعارضين يتابعون هذا الموقع.

الاعتداء على المسيحيين في حلب هو ليس حدثا فريدا بل سبق أن حصل في عام 1850 خلال الثورة المسماة “قومة حلب”.

بعد غزو محمد علي لسورية في ثلاثينات القرن 19 وبعد خروجه منها وفق معاهدة لندن شرع العثمانيون في إجراء إصلاحات سميت بالتنظيمات. هذه التنظيمات كانت تتم تحت ضغط أوروبي، ولهذا السبب هي أدت لفتح أسواق السلطنة العثمانية أمام البضائع المستوردة من أوروبا. هذا الأمر أدى إلى تدمير الصناعة المحلية في حلب التي لم تتمكن من منافسة الصناعات الأوروبية، والنتيجة كانت تدهورا اقتصاديا كبيرا في حلب.

التدهور الاقتصادي في حلب ترافق مع صعود اجتماعي للمسيحيين الذين منحتهم التنظيمات بعض الحقوق التي كانوا محرومين منها سابقا. على سبيل المثال، التنظيمات سمحت للمسيحيين بأن يجاهروا بدينهم وبأن يظهروا شعاراتهم الدينية في الأماكن العامة.

كثير من التجار الذين كانوا يستوردون البضائع الأوروبية كانوا مسيحيين، وهذا أدى إلى اغتناء بعض التجار المسيحيين خلال فترة الأزمة الاقتصادية.

إذن التنظيمات سببت أذى كبيرا للحلبيين، ولكن المسيحيين استفادوا منها من حيث أنها منحتهم بعض الحقوق الاجتماعية، ومن حيث أنها سمحت لتجار مسيحيين بأن يصبحوا أثرياء.

هذه العوامل أدت إلى تفجر الثورة المسماة “قومة حلب”. خلال هذه الثورة تمكن الحلبيون من طرد القوات العثمانية إلى خارج المدينة، ولكن الانكشاريين حاصروا المدينة واقتحموها مجددا وارتكبوا فيها الفظاعات بحق الثوار.

خلال الثورة قام بعض الثوار بمهاجمة الأحياء المسيحية والاعتداء على المسيحيين، وهو ما أدى إلى موت عدد من الأشخاص (نسيت العدد بالضبط، ولكنه عدد بسيط لا يساوي شيئا مقارنة بالأعداد التي نسمعها في زمن عائلة الأسد).

لماذا هاجم الثوار المسيحيين؟ السبب هو المناخ الذي كان سائدا قبل الثورة. التنظيمات أفقرت الحلبيين وأدت إلى تدهور وضع مدينة حلب، ولكن المسيحيين برزوا اجتماعيا، وبعض تجارهم أصبحوا أثرياء. لهذا السبب صار بعض الحلبيين المسلمين ينظرون بحقد نحو المسيحيين.

ما حدث خلال قومة حلب يمكن أن يحدث مجددا في الثورة الحالية. المقال الذي نشره موقع عكس السير يساعد على ذلك. أنا أنصح المسيحيين بالتسلح وبأن يكونوا جاهزين للدفاع عن أنفسهم في حال تعرضوا لأي اعتداء. الاعتماد على عائلة الأسد لا يفيد بشيء. هذه العائلة ليس لها مستقبل وهي ستسقط في النهاية.

يجب على المسيحيين أن يحتجوا على مقال عكس السير وأمثاله من تجاوزات المعارضين السوريين. يجب أيضا أن يكون هناك احتجاج على المقالات التحريضية ضد الشيعة. من يحرض ضد الشيعة سوف ينتقل لاحقا إلى التحريض ضد المسيحيين وغيرهم. التحريض الطائفي والعنصري هو شيء خطير مهما كانت الجهة المستهدفة به.

المؤسف هو أن المخابرات الأميركية هي التي أطلقت حملة التحريض الطائفي ضد الشيعة بالتعاون مع المخابرات السعودية (على أساس أن هذه الحملة تهدف للحد من التمدد الإيراني). امتداد التحريض الطائفي نحو المسيحيين هو أمر عادي ومتوقع في ظل السياسة التي اتبعتها المخابرات الأميركية.

المخابرات الأميركية هي التي رعت التحريض ضد الشيوعيين في خمسينات وستينات القرن العشرين، وهي أيضا التي رعت حملة التحريض ضد الشيعة خلال العقد الأخير. الأميركان يعتقدون أن حملة التحريض الطائفي ضد الشيعة أدت لتحجيم إيران وإعاقة تمددها باتجاه إسرائيل.

رغم كل ما حل بمحافظة حلب إلا أن بعض الحلبيين ما زالوا يتمسكون بعائلة الأسد ويدافعون عنها ويشبحون لها.

هذا التأييد الأعمى وغير المبرر الذي يبديه بعض الحلبيين لعائلة الأسد يذكرني بتأييد العلويين وغيرهم من الأقليات لعائلة الأسد. هو لا يبدو موقفا سياسيا طبيعيا ولكنه يبدو مبنيا على عصبية اجتماعية من نوع ما.

أنا أشعر بأن بعض الحلبيين يؤيدون عائلة الأسد ليس لأنهم معجبون بهذه العائلة، ولكن لأنهم يكنون كراهية وحقدا تجاه الثوار الذين يسعون لاحتلال حلب.

بعض الحلبيين يحملون ثقافة ترفع وتعصب تجاه سكان الريف.

معظم سكان مدينة حلب الحاليين هم من أصول ريفية، ولكن رغم ذلك فإن الثقافة الحلبية ما تزال تنظر بسلبية وتعصب إلى سكان الريف.

هذه الظاهرة هي قديمة للغاية وتعود إلى عصر بداية الحضارة (وربما إلى ما قبل ذلك). السومريون القدماء خلفوا كتابات فيها تهجم شديد على سكان الريف (الذين يكتب اسمهم في الألواح السومرية هكذا MAR.TU). الساميون ورثوا من السومريين هذا التعصب تجاه سكان الريف (رغم أن الساميين أنفسهم هم في الأصل شعب ريفي).

حتى في البيئة العربية نجد ظاهرة مماثلة. من المعروف أن العرب في العصر الجاهلي كانوا يميزون بين “العربي” و”الأعرابي”. ما يلي من لسان العرب:

ورجل أعرابي ، بالألف ، إذا كان بدوياً ، صاحب نجعة وانتواء وارتياد للكلإ ، وتتبع لمساقط الغيث ، وسواء كان من العرب أو من مواليهم .
ويجمع الأعرابي على الأعراب والأعاريب .
والأعرابي إذا قيل له : يا عربي ! فرح بذلك وهش له .
والعربي إذا قيل له : يا أعرابي ! غضب له . فمن نزل البادية ، أو جاور البادين وظعن بظعنهم ، وانتوى بانتوائهم : فهم أعراب ؛ ومن نزل بلاد الريف واستوطن مدن والقرى العربية وغيرها ممن ينتمي إلى العرب : فهم عرب ، وإن لم يكونوا فصحاء .
وقول اللّه ، عز وجل : قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا ،قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا، وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا . فهؤلاء قوم من بوادي العرب قدموا على النبي ، صلى اللّه عليه وسلم ، المدينة، طمعاً في الصدقات ، لا رغبة في الإسلام ، فسماهم اللّه تعالى العرب ؛ ومثلْهم الذين ذكرهم اللّه في سورة التوبة، فقال : الأَعْرابُ أَشدّ كُفراً ونِفاقاً ؛ الآية . قال الأزهري : والذي لا يفرق بين العربي والأعراب والعربي والأعرابي ، ربما تحامل على العرب بما يتأوله في هذه الآية ، وهو لا يميز بين العرب والأعراب ، ولا يجوز أن يقال للمهاجرين والأنصار أعراب ، إنما هم عرب لأنهم استوطنوا القرى العربية ، وسكنوا المدن ، سواء منهم الناشئ بالبدو ثم استوطن القرى ، والناشئ بمكة ثم هاجر إلى المدينة ، فإن لحقت طائفة منهم بأهل البدو بعد هجرتهم ، واقتنوا نعماً ، ورعوا مساقط الغيث بعد ما كانوا حاضرة أو مهاجرة ، قيل : قد تعربوا أي صاروا أعراباً ، بعدما كانوا عرباً .

هذا الكلام يدل على أن كلمة “أعراب” كانت كلمة للذم. العرب المستقرون كانوا يستخدمون هذه الكلمة لذم العرب الرحل أو البدو.

ذم الأعراب هو شائع في الأدبيات الإسلامية الباكرة التي تتحدث عن عصر الرسول، وهو ورد حتى في القرآن. القرآن نفى الإيمان عن الأعراب ووصفهم بأنهم “أشد كفرا ونفاقا”. من المعروف في التاريخ الإسلامي أن المسلمين الباكرين أجبروا الأعراب على الدخول في الدين الإسلامي بشكل قسري. هذه الظاهرة كانت خاصة بالأعراب دون غيرهم. الروايات الإسلامية تقول أن سكان المناطق الحضرية في الجزيرة العربية (مثلا اليمن والبحرين وعمان) أسلموا بشكل طوعي ودون قتال، وأما الأعراب فهم لم يسلموا إلا تحت التهديد بالقتل (“وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ”).

المسلمون بشكل عام لم يكونوا يجبرون أحدا على الدخول في الإسلام، ولكن الأعراب هم حالة خاصة.

بالنسبة للمصريين القدماء فمن المعروف أنهم كانوا يكنون عداوة بالغة لسكان الأرياف أو البدو المتنقلين (الذين وردت لهم تسميات عديدة في الكتابات المصرية. أقدم هذه التسميات على ما أذكر هي كلمة “عرم” التي من الممكن أن لها علاقة بكلمة “عرب”). حروب المصريين القدماء كانت في الغالب موجهة ضد هذه الشعوب الريفية والبدوية التي كانت تسكن حول مصر. المصريون القدماء بنوا العديد من التحصينات والخطوط الدفاعية في صحراء سيناء بهدف منع البدو الساميين من التغلغل في مصر. كلمة “مصر” في اللغات السامية تعني أصلا “الحصن العسكري”. الساميون أطلقوا هذه التسمية على مصر بسبب الحصون العسكرية التي أقامها المصريون شرق النيل.

هذه العداوة التاريخية القديمة بين الريفيين والحضريين ربما تكون الدافع الذي يجعل بعض الحلبيين يهللون لعائلة الأسد حتى يومنا هذا. هم لا يحبون عائلة الأسد ولكنهم ينطلقون من عصبية موروثة تجاه سكان الريف.

الخلاف الموجود في حلب حاليا هو ليس مجرد خلاف سياسي ولكنه أكبر من ذلك. عائلة الأسد قتلت أعدادا هائلة من سكان الريف الحلبي. طائرات عائلة الأسد تغير بشكل روتيني على بلدات وقرى الريف الحلبي وتلقي عليها البراميل المتفجرة. رغم ذلك فإن بعض الحلبيين يهللون لعائلة الأسد وكأن لا شيء يحدث. هذا التجاهل لما يجري بين الريفيين وبين عائلة الأسد هو ليس شيئا طبيعيا. لو فرضنا أن الحلبيين التزموا الحياد في الصراع لقلنا أن هذا شيء طبيعي، ولكن أن يكون هناك أشخاص يهللون لعائلة الأسد رغم ما يجري بين هذه العائلة وبين سكان الريف فهذا ليس شيئا طبيعيا.

هناك شرخ كبير بين بعض سكان مدينة حلب وبين سكان الريف. هذا الشرخ ليس مجرد خلاف في وجهات النظر. من يهلل لإبادة الريف الحلبي لا يمكن اعتباره مجرد صاحب وجهة نظر.

عائلة الأسد قالت أنها تريد تحرير محافظة حلب من الإرهابيين، ولكن أين هو هذا التحرير؟ من الواضح أن ما يجري في حلب ليس له علاقة بالتحرير. عائلة الأسد لا تملك الإمكانات الكافية لإعادة غزو محافظة حلب؛ لهذا السبب العائلة قررت أن تستعيض عن خيار الغزو أو “التحرير” بخيار الإبادة والقتل. عائلة الأسد تقصف محافظة حلب منذ ثلاث سنوات لتحقيق عدة أهداف (من هذه الأهداف: استنزاف سكان الريف وتحطيم معنوياتهم، إثبات الوجود أمام الرأي العام الدولي). تحرير محافظة حلب هو ليس أحد الأهداف التي سعت عائلة الأسد لتحقيقها. من يقول أن عائلة الأسد كانت تسعى لتحرير المحافظة من الإرهابيين هو إما لا يعرف ما يجري أو أنه يؤيد سياسة عائلة الأسد الإجرامية.

سياسة عائلة الأسد لم توفر حتى الجامع الأموي وحلب القديمة.

الحديث عن شرخ عنصري بين سكان مدينة حلب وبين سكان الريف هو ليس اكتشافا من عندي ولكنه أمر معروف. الثقافة الحلبية القديمة كانت تجاهر بعداوتها للريفيين. أنا أذكر أنني سمعت في صغري الكثير من العبارات والأوصاف العنصرية التي تستخدم بحق البدو والأكراد ونحوهم من الشعوب الريفية التي تسكن حول حلب. استخدام هذه العبارات العنصرية ربما يكون خف الآن، ولكن الروح العنصرية ما زالت موجودة لدى البعض.

طبعا هذه الظاهرة ليست خاصة بحلب فقط ولكنها موجودة في كل المدن السورية الكبيرة. مثلا سكان مدينة اللاذقية كانوا قديما ينظرون بسلبية بالغة لسكان الريف العلويين. هذا الشرخ بين سكان اللاذقية وبين العلويين لم يكن شرخا دينيا بقدر ما أنه كان شرخا مدنيا-ريفيا (بدليل أن كثيرا من العبارات العنصرية التي كان سكان اللاذقية يستخدمونها بحق العلويين لم تكن عبارات دينية. سكان اللاذقية كانوا ينظرون للعلويين بوصفهم طبقة منحطة من الهمج والرعاع غير المتحضرين، أي أن نظرتهم للعلويين تشبه نظرة الحلبيين القدماء للبدو والأكراد والقرباط).

عائلة الأسد تستفيد من هذا الانقسام المدني-الريفي في حربها على محافظة حلب. الانقسامات في المجتمع السوري هي كثيرة، وعائلة الأسد تستفيد من كل هذه الانقسامات.

مؤيدو عائلة الأسد لا يشكلون نسبة كبيرة من سكان مدينة حلب، ولكن بما أن عدد سكان المدينة كبير فإن عدد المؤيدين يبدو كبيرا.

بالنسبة للمسيحيين في حلب فهم يكرهون متمردي الريف لسبب إضافي يتعلق بالدين. المتمردون الريفيون هم بشكل عام إسلاميون متعصبون، وهذا طبعا لا يناسب المسيحيين. موقف المسيحيين الحلبيين هو في رأيي ليس موقفا مستغربا، ولكن ما يثير الاستغراب هو موقف بعض الحلبيين المسلمين الذين يصرون على التهليل لعائلة الأسد حتى الآن.