تخطى إلى المحتوى
فبراير 24, 2012 / Hani

النظام السوري يستعين بمسيحيي لبنان للترويج لدستوره

شاهدت قبل قليل على قناة OTV التابعة لميشيل عون اللبناني برنامجا خاصا عن الدستور السوري الجديد، وهذا البرنامج هو بصراحة ظاهرة لافتة لأنه لا يتوافق مع عقلية اللبنانيين وخاصة المسيحيين الذين ليس من عادتهم الاهتمام بالشؤون الداخلية السورية على هذا النحو.

أنا لم أشاهد سوى نهاية الحلقة ولكن يبدو أن البرنامج ناقش في بدايته موضوع المادة الثالثة المثيرة للجدل، ويبدو أن الهدف من هذه الحلقة هو الترويج للدستور السوري الجديد وتهميش موضوع المادة الثالثة.

النظام السوري يستشعر الحرارة كما قلت سابقا وهو يستعين الآن بمسيحيي لبنان لإقناع مسيحيي سورية بدعم الدستور الطائفي.

الجلبة التي أثيرت حول المادة الثالثة لن تؤدي على الأرجح إلى إزالة هذه المادة، ولكن المفيد في هذه الجلبة هو أنها ساعدت على كسر احتكار المتمردين الإسلاميين للنشاط المعارض.

اليوم اعتصم قدري جميل مع مئات الناس أمام مجلس الشعب بدمشق احتجاجا على المادة الثالثة، وهذه ظاهرة مهمة لأنها تفتح الباب أمام نوع جديد من الاعتصامات والمظاهرات يختلف عن النوع الذي يقوم به المتمردون الإسلاميون (والذي ليس له علاقة بالتظاهر سوى الاسم).

أنا قلت من قبل أن استمرار العملية السياسية في سورية هو أمر مصيري لهزيمة التمرد، وروسيا تدرك هذا جيدا وهي ضغطت على النظام السوري وأجبرته على استكمال العملية السياسية وفق برنامج زمني محدد.

النظام السوري لو كان الأمر بيده لكان ألغى المجالس والانتخابات والصحف والإنترنت وأطلق رجال مخابراته لاعتقال كل من يتفوه بكلمة (هذا هو السيناريو الذي ساد في أيام حافظ الأسد). ولكن حاليا وبسبب الضغط الروسي فإن النظام السوري يقوم بإجراء الانتخابات والإصلاحات واليوم سمح بمظاهرة أمام مجلس الشعب، وهذه أمور مهمة.

مظاهرة اليوم يجب أن تتكرر ويجب أن تنشأ في سورية ثقافة للتظاهر السلمي المدني. وجود التظاهر السلمي الآن هو أمر مهم جدا لعدة أسباب:

  • أولا هو ضروري لترويض أجهزة المخابرات السورية على تقبل فكرة التظاهر السلمي وعدم الخلط بينها وبين “مظاهرات” المتمردين (والتي هي ليست مظاهرات).
  • ثانيا هو ضروري لكسر دعاية المتمردين ورعاتهم الخارجيين التي تصور ما يقوم به المتمردون على أنه مظاهرات.

انتشار ثقافة التظاهر السلمي القانوني في المجتمع السوري هو أمر ضروري لهزيمة التمرد وخلق ثقافة ديمقراطية في سورية. طبعا النظام السوري بعقليته المتحجرة والعقيمة لا يفهم هذا الأمر ولكن لحسن الحظ أن الضغوط الخارجية تجبره على أن يغير أساليبه الفاشلة والمدمرة.

وسائل الإعلام الغربية تصف التمرد في سورية بأنه حركة مطالبة بالديمقراطية، وطبعا هذا الكلام بعيد كل البعد عن الواقع لأن المتمردين السوريين هم أبعد عن الديمقراطية من النظام السوري. أظن أن كل من تعامل مع المتمردين وأنصارهم خلال الأشهر الماضية يدرك هذا الأمر. في الأشهر الماضية النظام السوري كان أكثر تسامحا وتقبلا لحرية الرأي من المتمردين.

حتى المتمردون “المثقفون” هم بعيدون جدا عن ثقافة الديمقراطية. أنا سأضرب مثالا واحدا هو موقع “سيريا نيوز” الذي يديره المعارض “نضال معلوف”. هل سياسة هذا الموقع في التعامل مع تعليقات القراء ومع عرض الأخبار هي سياسة تعبر عن احترام حرية الرأي؟ أنا شخصيا أرى أن سياسة الموقع خلال الأشهر الماضية كانت أشد تعسفا ودوغمائية من سياسة النظام السوري.

هذا أمر معروف في كل الثورات العنيفة. الثورة الفرنسية كانت في البداية ترفع شعارات الحرية ولكنها بعد سنوات قليلة من قيامها تحولت إلى نظام سلطوي إرهابي يعرف لدى المؤرخين الغربيين باسم عهد الرعب La Terreur (وذلك عندما استولى “اليعاقبة” club des Jacobins بقيادة Maximilien Robespierre على السلطة في عام 1793). أيضا الثورة الروسية في عام 1917 كانت في البداية ترفع شعارات الحرية ولكنها بعد أشهر قليلة تحولت إلى نظام سلطوي بعد أن استولى عليها البلاشفة Bolsheviks بقيادة فلاديمير لينين.

في العالم الإسلامي لدينا الثورة العباسية في عام 750 والتي جاءت من إيران تحت شعار تحقيق المساواة بين العرب والإيرانيين ولكن الخلفاء العباسيين سرعان ما انقلبوا على الإيرانيين واضطهدوهم وكانت باكورة أعمالهم أن قتلوا أبا مسلم الخراساني الذي أتى بهم إلى السلطة.

في ليبيا مؤخرا استولى ثوار الناتو على الحكم تحت شعار الديمقراطية ولكنهم فور أن وصلوا إلى السلطة شنوا حملة تطهير كاسحة ضد أنصار القذافي، ولقد سمعت في بعض وسائل الإعلام أن هناك قبائل ليبية كاملة تمت إبادتها تحت حجة أنها كانت من أنصار القذافي.

كل الثورات العنيفة تؤدي إلى أنظمة إرهابية، والثورة السورية ليست استثناء وهذا أمر واضح من سلوك أنصارها الذين يعتبرون أن من ليس معهم فهو ضدهم.

الثورة السورية ليست تعبيرا عن ثقافة ديمقراطية وإنما هي تعبير عن ثقافة تعصب وحقد، ولمكافحة هذه الثورة يجب أن نكافح الثقافة التي أنتجتها. لكي نكافح ثقافة التعصب والتطرف في المجتمع يجب أن ننشر الثقافة البديلة وهي ثقافة الديمقراطية والتسامح وتقبل الرأي الآخر، وهنا يكمن التحدي الحقيقي والمعركة الحقيقية ضد التمرد.

هزيمة المتمردين عسكريا لن تنهي التمرد كما قلت سابقا. التمرد لا يمكن أن ينتهي إلا بإزالة الثقافة التي أنتجته من المجتمع، وهذه هي النقطة التي لا يستوعبها النظام السوري.

لحسن الحظ أن النظام يخضع لضغوط خارجية تجبره على تغيير أساليبه. لكي نقنع المتمردين بتقبل الرأي الآخر يجب أولا أن يقتنع النظام السوري بتقبل الرأي الآخر، ويجب ألا ينظر النظام السوري للرأي الآخر على أنه مشكلة أمنية.

هزيمة التمرد في سورية تتحقق بنقطتين أساسيتين:

  • تحسين التعليم نوعا وكما
  • نشر ثقافة التسامح وتقبل الرأي الآخر

النقطة الأولى هي الأهم على الإطلاق. المناهج السورية القديمة كانت مناهج مدمرة لأنها كانت قائمة على منطق التلقين الدوغمائي، بمعنى أنها تزرع في الطلاب روح النظرة الأحادية وإهمال الرأي الآخر. هذا الأسلوب في التفكير هو أساس التعصب. الفرق بين المتعصب وغير المتعصب هو أن المتعصب لا يفكر سوى بخط واحد ولا يلقي بالا لأية آراء أخرى، وعندما تكون مناهج التعليم قائمة على منطق الرأي الواحد فهذا الأمر هو ما يغذي في الطلاب روح التعصب والتفكير غير العلمي.

أنا لم أطلع جيدا على المناهج الجديدة ولكنني سمعت أنها قائمة على المنطق العلمي وبعيدة عن التلقين الأحادي. هذا الأمر جيد كخطوة أولى ولكن المناهج لكي تأخذ مفعولها لا بد أن تدرس بشكل جيد. المعلمون الحاليون في المدارس السورية هم أنفسهم يفتقرون للعقلية العلمية وبالتالي من الصعب عليهم أن يزرعوا العقلية العلمية في الطلاب.

بالنسبة للنقطة الثانية وهي نشر ثقافة التسامح في المجتمع فهذا الأمر لكي يتحقق لا بد أولا أن يقتنع النظام السوري به. يجب أن يتروض النظام السوري على قبول الرأي الآخر ويجب أن يسمح بنشوء قوى معارضة سلمية في المجتمع وبظهور وسائل إعلام معارضة ومظاهرات واعتصامات.

طبعا هناك خطر أن يتمكن المتمردون من اختراق التظاهرات السلمية. النظام السوري ربما يبرر قمع التظاهرات السلمية بأننا لو سمحنا بها فسيخترقها المتمردون وسوف تظهر على قناة الجزيرة على أنها مظاهرات مطالبة بـ”إسقاط النظام” و”التدخل الدولي”. هذه مسألة تقنية يمكن في رأيي التعامل معها ومنعها. من ينظمون مظاهرة سلمية بإمكانهم أن يمنعوا المتمردين من اختراق المظاهرة، خاصة وأن أجهزة الأمن سيكون معها علم مسبق بالمظاهرة وبالتالي من يحاول اختراق المظاهرة وبثها على قناة الجزيرة من الممكن إرشاد أجهزة الأمن إليه ومنعه من ذلك.

فبراير 22, 2012 / Hani

حرارة المادة الثالثة تلفح النظام السوري

النظام السوري كان يراهن على أن رد فعل المسيحيين والعلمانيين على بقاء المادة الثالثة سوف يكون مثل رد فعل الأخت Karma التي اعترضت علي لأنني تحدثت عن المادة الثالثة، ولكن على ما يبدو فإن رد فعل عموم المسيحيين كان مختلفا حيث أنهم استقبلوا بقاء المادة الثالثة في الدستور بغضب، وبالأمس سمعت على قناة الدنيا رجل دين مسيحي يهاجم الفقرة الأولى من المادة الثالثة بقوة ويقول ما معناه أن إنقاذ النظام السوري يجب ألا يكون على حساب المسيحيين والعلمانيين.

ردود الفعل هذه طبيعية. المسيحيون عموما كانوا يدعمون الرئيس الأسد خلال الأشهر الماضية وكثير منهم كانوا يتظاهرون تأييدا له في البرد، وهذا لم يكن بسبب إعجابهم بتسريحة شعره مثلا وإنما لأنهم كانوا يرون فيه الممثل للعلمانية. في النهاية فوجئ المسيحيون بأن الأسد كافأهم بإبقاء الفقرة الأولى من المادة الثالثة والتي هي نص عنصري صريح شبيه بنصوص نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا سابقا.

طبعا ليس المسيحيون فقط هم المنزعجون من المادة الثالثة وإنما المفروض أن كل الأقليات الدينية ترفض هذه المادة. صحيح أن هذه المادة تفسر حاليا على أنها تستهدف المسيحيين فقط ولكن الإخوان المسلمين يفسرونها بشكل مختلف حيث أنهم يرون أن المقصود بها هو منع كل الطوائف ما عدا السنة من تولي الرئاسة. وعموما إذا فتحنا باب الفصل العنصري فيجب أن نتوقع كل شيء، فما هو مسموح للعلويين والدروز والسنة العلمانيين اليوم قد يصبح ممنوعا عليهم في الغد.

في إيران هناك الكثيرون من الشيعة الجعفريين الذين لا يحق لهم الترشح في الانتخابات لأن النظام الحاكم يرى أنهم فاسقون وكفار إلخ. أيضا في السعودية هناك تمييز شديد ضد السنة والصوفيين لصالح الوهابيين. الصوفي في السعودية يعامل معاملة اليهودي، وأصلا أنا قرأت أن المذاهب السنية والطرق الصوفية كلها انقرضت من السعودية منذ الخمسينات وحاليا لم يعد هناك وجود حقيقي للسنة والصوفيين بين السعوديين.

قصدي من هذا الكلام هو أننا إذا فتحنا الباب لمنطق الفصل العنصري فكل شيء وارد في المستقبل. الآن التمييز يستهدف المسيحيين فقط ولكن في المستقبل لا يستبعد أن يشمل الاستهداف أيضا المسلمين الذين يعتبرهم الإسلاميون كفارا وملحدين إلخ. الإخوان المسلمون يكفرون حزب البعث والحزب القومي السوري ومعظم الأحزاب العلمانية إن لم يكن كلها. هذا يعني أن الإخوان يكفرون قسما كبيرا من السنة في سورية وليس فقط الأقليات غير السنية.

السماح باستهداف المسيحيين ينطبق عليه المثل القائل “أكلت يوم أكل الثور الأبيض”، والعلمانيون يدركون أن منطق الفصل العنصري هو منطق خطير لأن الإسلاميين لن يتوقفوا عند حدود المسيحيين بل لهم أهداف أبعد من ذلك وأخطر.

 عموما يبدو لي من متابعة الإعلام السوري (الرسمي وغير الرسمي) أن النظام السوري استشعر اللهيب وأحس بالرفض الشعبي للفقرة الأولى من المادة الثالثة، وهذا الأمر ليس في مصلحته أبدا خاصة في هذه المرحلة.

النظام السوري أبقى المادة الثالثة إرضاء للشيوخ الذين يتزعمهم البوطي والحسون، لأن النظام يعول كثيرا على هؤلاء الشيوخ ويرى فيهم ضمانة للأمن. ولكنني شخصيا أشك في صدق هذه النظرية. الثوار عموما يكفرون الشيوخ كالبوطي والحسون وهم حاولوا قتل عدد منهم، ولا أستبعد أن يكون البوطي والحسون على رأس قائمة الاغتيال لدى الثوار لأن القنوات الفضائية السعودية كانت تحرض عليهما بشكل كبير خلال الأشهر الماضية، والوهابيون عموما يرون أن البوطي والحسون هما من يمنع “الثورة” في دمشق وحلب. طالما أن المخابرات السعودية ترى أن البوطي والحسون هما من يمنع “الثورة” فلماذا لا تفكر باغتيالهما؟ هذا احتمال وارد.

طبعا أنا شخصيا لا أصدق أي شيء من هذه الترهات. البوطي والحسون لا دخل لهما بقيام أو عدم قيام “الثورة”. الثورات لا يمنعها أشخاص بل بالعكس لو كانت هناك روح ثورة حقيقية في دمشق وحلب لما كان البوطي والحسون استطاعا أن يتخذا مواقفهما الحالية، لأن الرأي العام الشعبي أقوى بكثير من آراء الأشخاص ولا يمكن لأي قائد سياسي أو ديني أن يقاوم التيار الشعبي، خاصة ونحن نتحدث عن “ثورة”.

قوة البوطي والحسون مبالغ بها جدا لدى النظام ولدى المعارضة. النظام يظن أن البوطي والحسون هما قوة شعبية هائلة ولهذا السبب يحرص على إرضائهما، ولكن الواقع غير ذلك لأن البوطي والحسون ضعيفان ومستهدفان ولولا الحماية الأمنية لكانا قتلا منذ بداية الثورة. النظام يحتمي بهما ولكنهما في الحقيقة بحاجة لحماية.

المظاهرات ذات الطابع الديني تصاعدت بشكل ملحوظ في دمشق وحلب بعد إعلان الدستور، وهذا دليل على أن الدستور لم يرض الإسلاميين بل بالعكس استفزهم وأغضبهم.

النظام السوري لم يجن شيئا يذكر من إبقاء المادة الثالثة في الدستور. السنة المحافظون يؤيدون بقاء المادة الثالثة ولكن لو حذفت الفقرة الأولى منها فأنا لا أظن أنهم سيثورون بسبب ذلك. في المقابل بقاء المادة الثالثة تسبب بغضب واضح لدى المسيحيين والعلمانيين ولقد سمعت دعوات بين المسيحيين للتصويت بلا على الدستور.

المسيحيون والعلمانيون يشكلون فئات مهمة من أنصار النظام، وإذا صوتوا بلا على الدستور فهذا سوف يحرج النظام أما أصدقائه الروس والصينيين الذين سوف يعلمون الحقيقة ولن يتمكن النظام من خداعهم حتى لو زور الاستفتاء وقال أن الشعب وافق بنسبة 97% على الدستور.

المسيحيون في سورية قليلون جدا ونسبتهم الحقيقية لا تتجاوز ربما 6%. في أربعينات القرن العشرين المسيحيون كانوا يمثلون ربما 25% أو 30% من السكان (في حلب كانوا يمثلون 40%)، ولكن حاليا المسيحيون هم فئة شبه منقرضة، ولكن رغم هذا فإنهم يحظون بصيت كبير في الإعلام الغربي. في الأشهر الماضية كنا نقرأ دائما في الإعلام الغربي كلاما من قبيل أن “النظام السوري يستند على العلويين والمسيحيين”. طبعا هذا الكلام من المستحيل أن يكون صحيحا لأن العلويين والمسيحيين لا يشكلون إلا فئة صغيرة من السكان ومن المستحيل أن يكون النظام مستندا عليهم فقط. التركيز على المسيحيين في الإعلام الغربي هو أمر لا علاقة له بالواقع، ولكن رغم ذلك فإن هناك انطباعا عاما في الغرب بأن المسيحيين هم أحد “ركائز” النظام السوري.

 الخلاف الحالي بين النظام السوري والمسيحيين يحرجه في هذه النقطة الحساسة، لأن الإعلام الغربي والدولي سوف يقول أن النظام خسر أحد “ركائزه”، وهذه فضيحة للنظام.

لهذا السبب ليس من مصلحة النظام السوري أن ينشأ تيار بين المسيحيين يدعو للتصويت بلا على الدستور، ومصيبة النظام ستكون أكبر إن صوت العلمانيون أيضا بلا.

الآن فترة مناسبة جدا لتصعيد الضغوط على النظام لكي يحذف الفقرة الأولى من المادة الثالثة، لأن النظام الآن محشور في زاوية ضيقة ويتلقى الضربات من كل جانب، وبالتالي الضغط عليه الآن ربما يحرز نتيجة. كما قال الأب المسيحي بالأمس: لا يجوز أن يكون إنقاذ النظام على حساب المسيحيين والعلمانيين.

فبراير 20, 2012 / Hani

استمرار الضغوط الغربية على السعودية لمنعها من التصعيد

خلال الأيام الماضية صدرت تصريحات عديدة من مسؤولين أميركيين كبار تحذر من تنظيم القاعدة في سورية، وذلك لأول مرة منذ بدء الأحداث السورية.

أيضا أميركا تحدثت عن وجود طائرات بدون طيار في الأجواء السورية، رغم أن هذا الأمر قديم ومعروف. أميركا تراقب الأراضي السورية شبرا شبرا منذ سنوات وهذا الأمر غير مرتبط بالأحداث السورية الحالية. في السابق كان الإعلام الأميركي يتحدث عن مراقبة “الأنشطة النووية” وتصنيع الصواريخ ونقل السلاح إلى حزب الله إلخ. أما الآن فصاروا يتحدثون عن مراقبة “الانتهاكات”، وهذا طبعا كلام فارغ.

أوروبا بدأت خلال الأيام الماضية تهاجم المعارضة السورية وتصفها بالتشرذم والتفرق، وبالأمس نشرت وكالة الأنباء الفرنسية تصريحات لـ”خبراء” فرنسيين يتحدثون عن أن العلويين سوف يقاتلون حتى الموت وسوف يقسمون سورية إلخ.

طبعا الغربيون لم يكتشفوا كل هذه المعطيات في الأسبوع الماضي. بالنسبة لموضوع القاعدة فهو معروف منذ البداية وأميركا نفسها سهلت عبوره من العراق إلى سورية، وبالنسبة للمعارضة السورية فهي الآن أكثر تماسكا بكثير مما كانت عليه قبل أشهر، وبالنسبة للعلويين فعزيمتهم الآن ليست أقوى مما كانت عليه في السابق.

لا يوجد أي تغير في المعطيات على الأرض يبرر تغير المواقف الغربية. الشيء الوحيد الذي تغير هو أن أميركا تحاول أن تلجم سعود وتمنعه من تكرار سيناريو “قوات حفظ السلام” الذي جعل من السعودية مسخرة أمام العالم وأدى إلى إضعاف موقف العصابات المسلحة في الداخل السوري.

أميركا كانت تريد إرسال بعثة المراقبين العربية-الدولية إلى سورية لتخفيف الضغط عن العصابات المسلحة، ولكن سعود قضى على هذه الفكرة وحرم المسلحين من بصيص الأمل الوحيد لإنقاذهم.

عادة قبل الاجتماعات المتعلقة بسورية كانت المنظمات الدولية تصدر تقارير وبيانات تدعو للتصعيد ضد سورية، أما الآن فنحن نشاهد العكس. اليوم أصدرت منظمة “أطباء بلا حدود” (مقرها في فرنسا) البيان التالي:

أشارت منظمة “أطباء بلا حدود”، يوم الأحد، إلى أنها تحذر من التداعيات “الخطيرة” الناجمة عن إقامة ممرات للمساعدات إنسانية في سوريا “ذات حماية عسكرية”، مبينة أنها “لن تحقق الغاية من ورائها وستكون عرضة للاستهداف”.

وذكرت وكالة الأنباء الكويتية (كونا) أن المنظمة، ومقرها باريس انتقدت في بيان، الدعوات المنادية بضرورة إقامة ممرات إنسانية في سوريا، مشيرة إلى أن “تفويض قوة دولية مسلحة بنقل المعدات الطبية سيكون بمنزلة كارثة”.

وقالت رئيسة المنظمة، ماري بيير الييه، “بدلا من ان تؤدي اقامة الممرات الانسانية الى حماية العاملين في مجال الرعاية الصحية والمرافق الطبية من الحرب والقمع، فانها ستؤدي الى جعل المساعدات الطبية ذات طابع عسكري وبالتالي ستكون عرضة للاستهداف”.

ما هي الحكمة من صدور هذا البيان قبل اجتماع تونس وبعد كل الضخ الذي قام به حمد لدعم فكرة الممرات الإنسانية؟

هذا البيان هو رسالة مبطنة من فرنسا إلى حمد لإفهامه بأن موضوع الممرات الإنسانية هو موضوع خيالي ولا إمكانية لتحقيقه، وهذا ما قلته سابقا في المدونة عندما قلت بأنني واثق من أن الممرات الإنسانية لن تشق إلا في خيال حمد.

جريدة الشرق الأوسط النفطية نشرت اليوم ما يلي:

وحتى الآن، بقي باب مجلس الأمن مغلقا بوجه الحل العربي بسبب الفيتو المزدوج الروسي – الصيني. ولا يبدو أن موسكو، وفق ما تقوله مصادر فرنسية،«جاهزة» لتليين موقفها على الرغم من قرار الجمعية العامة والضغوط التي تتعرض لها من الدول الغربية والعربية. وتعارض موسكو «جوهر» الخطة العربية الداعية إلى «تنحٍّ جزئي» للأسد، وتريد حوار سياسي بين السلطة والمعارضة من غير «شروط مسبقة»، كما أنها تربط إرسال قوة عربية – دولية للسلام بموافقة السلطات السورية التي رفضت «جملة وتفصيلا» القرارات العربية. لذا يبدو خيار إرسال «القبعات الزرق» صعب التحقيق في الظروف الحالية؛ لأنه بدوره يحتاج إلى قرار من مجلس الأمن، ما يعيد البحث إلى المربع الأول.

وإزاء الطريق المسدود، تبدو الدبلوماسية الفرنسية اليوم ميالة إلى سياسة «الخطوات الصغيرة»، آخذة بعين الاعتبار أن الغرض الأول يجب أن يكون اليوم «وقف القتل» وتوفير المساعدة الإنسانية للمناطق المنكوبة، ما يعني عمليا طي ورقة المطالبة بتنحي الأسد في الوقت الحاضر بسبب صعوبة توفير الغطاء الشرعي الدولي له.

لا أدري إذا كان هناك اعتراف بالذل والفشل والفضيحة أكبر من هذا. الجريدة النفطية تعترف بأن فرنسا أبلغت حمد وسعود بوجوب طي فكرة تنحي الأسد.

فكرة تنحي الأسد مطوية، وفكرة قوات حفظ السلام مطوية، وفكرة الممرات الإنسانية مطوية. لا أدري ما الذي يرتجيه حمد وسعود من مؤتمر تونس الهزلي؟

هذا الوضع المخزي الذي يعيشه حمد وسعود الآن هو أمر متوقع منذ البداية وهو نتيجة طبيعية للمسار الذي سارا فيه.

بعض أتباع الحريري البائسين في لبنان يروجون لمقولة نشر قوات دولية على الحدود بين سورية ولبنان. لا أدري إن كان هناك كلام أتفه من هذا الكلام. هل من المعقول أن يسعى الغرب الآن للصدام عسكريا مع حزب الله؟

فكرة نشر قوات دولية على الحدود بين سورية ولبنان هي فكرة عبثية لألف سبب وسبب وأنا لن أناقشها لتفاهتها.

ما يثير حيرتي هو الموقف التركي. تركيا بعد أن ذهب إليها سعود مؤخرا وأغراها بالمال عادت مجددا لإطلاق التصريحات العالية ضد سورية، ولكن على ما يبدو فإن هذه التصريحات هي شبيهة بالتصريحات الفرنسية، أي أنها مجرد كلام في الهواء بدون فعل على الأرض.

أموال حمد وسعود لم تجلب لهما شيئا سوى الكلام فقط. لا توجد أية دولة في العالم مستعدة لخوض حرب لإنقاذ نظامي حمد وسعود من السقوط.

فبراير 20, 2012 / Hani

إيران تتدخل لنجدة سورية كهربائيا… والسعودية مذعورة من مفاوضات إيران مع الغرب

بعد يوم واحد من الخبر الرائع الذي بثه الإعلام السوري والذي بشر السوريين بانقطاع للكهرباء يتجاوز 12 ساعة يوميا، أعلن اليوم عن توقيع مذكرة تفاهم مع إيران لتزويد العراق وسورية ولبنان بالكهرباء.

أظن أن المستهدف الأساسي من هذا الاتفاق هو سورية. في الأيام الماضية سرى كلام عن أن الوضع الكهربائي في سورية ينهار، ولهذا السبب تدخلت إيران وأرسلت المدد عبر العراق.

بالنسبة لمؤتمر “أصدقاء سورية” فحاليا يقوم بعض مهرجي الإعلام النفطي بالترويج لمقولة أن المؤتمر سوف يشرع التدخل العسكري في سورية. السؤال هو من الذي سوف يشرع هذا الأمر؟

هل هي أميركا التي يصرح مسؤولوها يوميا برفضهم تسليح المعارضة السورية؟

هل هي أوروبا التي هاجمت المعارضة السورية بالأمس؟

هل هي تركيا التي سوف تستضيف الحوار بين الغرب وإيران على أراضيها قريبا؟

هل هي تونس التي أعلنت صراحة أن المؤتمر لن يشرع التدخل العسكري في سورية؟

يبدو لي أن من يبث هذه الترهات في الإعلام النفطي هو سعود ولا أحد غيره. سعود الآن لم يعد بكامل قواه العقلية وهو مصاب بصدمة عصبية من الأنباء عن استئناف المحادثات بين إيران والغرب قريبا في تركيا.

سعود كان ينتظر من أميركا أن تحرك أساطيها وتعلن حربا عالمية على إيران وسورية لكي تحافظ على كرسيه المهترئ، ولكنه صدم عندما علم أن أميركا تريد مواصلة المفاوضات مع إيران.

ذهاب أميركا إلى المفاوضات مع إيران الآن يعني أن سيناريو ضرب إيران عسكريا صار من التاريخ. المفاوضات الحالية بين إيران وأميركا لن تؤدي إلى أية نتيجة عملية. هي تهدف لشيء واحد فقط هو إراحة أميركا من ضغط الصهاينة والسعوديين.

أميركا واقعة تحت ضغط شديد من الصهاينة والسعوديين للتحرك ضد إيران، ولهذا السبب قرر أوباما الذهاب للتباحث مع إيران لكي يجد ذريعة يتهرب بها من ضغوطاتهم.

إيران تتقدم في برنامجها النووي وتصعّد وهي ليست في وارد التنازل. فما هو الهدف من المفاوضات إذن؟ لا يوجد أي هدف سوى ما ذكرته.

أميركا تستغل الآن موضوع المفاوضات المنتظرة مع إيران لكي تضغط على إسرائيل والسعودية لكي تخففا التصعيد في المنطقة.

ما يثير جنون سعود أكثر وأكثر هو أن المفاوضات ستجري في تركيا. سعود كان يراهن على تركيا كحليف ضد إيران، وإذا به يجد أن تركيا تتوسط بين الغرب وإيران.

 هذه الوساطة التركية هي محاولة أخرى من تركيا للتقرب إلى إيران. لا أظن أن تركيا تتوهم بأن إيران ستتنازل عن سورية بعد كل ما حدث. هذا التقارب التركي-الإيراني لن يؤدي إلى شيء سوى تخفيف حدة الموقف التركي ضد سورية.

كل هذه التطورات تصيب سعود بالتشنج العصبي، ولذلك أطلق مهابيله في الإعلام لكي يتحدثوا عن تدخل عسكري بعد مؤتمر أصدقاء سورية، واستعان بمصر إلى جانبه على أساس أن مصر مخيفة جدا.

مصر حاليا لا تساوي شيئا في المنطقة، وهي بانتهاجها سياسة العداء تجاه سورية لا تحقق شيئا سوى زيادة عزلتها وزيادة تهشيم دورها الإقليمي، ولكن كما قلت فإن مصر الآن تبيع دورها الإقليمي مقابل المال.

ما سيصدر عن مؤتمر أصدقاء سورية هو مجرد هراء. هو مثل “قوات حفظ السلام” التي لم تأت ولن تأتي. سبب انعقاد هذا المؤتمر هو أموال حمد وسعود، والذين سيحضرون كلهم يأتون مقابل المال فقط ولا أحد فيهم مقتنع بجدوى الحضور. أميركا تحضر لأنها تريد التخلص من ضغط سعود وتخفيف تشنجه العصبي.

 ما تفكر فيه أميركا الآن هو الانسحاب من المنطقة بأقل قدر من الخسائر. أميركا لا تريد محاربة إيران ولا تريد من أتباعها الصهاينة والسعوديين أن يتسببوا بأية فوضى تضر مصالحها. هذا هو جوهر السياسة الأميركية في المنطقة.

أميركا تريد أن تحول المنطقة إلى منطقة حرب باردة مع إيران. هي ستعترف بنفوذ إيران في عدة دول ومناطق (منها العراق والخليج) وستلجأ لتسليح وتحصين إسرائيل لإيجاد ردع متبادل مع إيران.

أميركا قررت هذا السيناريو منذ زمن وهي لا تفكر إطلاقا بمواجهة مع إيران. ما يشغل بال أميركا فقط هو رسم خطوط التماس. هي تريد أن تكون سورية واقعة تحت النفوذ الإسرائيلي مقابل أن يكون العراق واقعا تحت النفوذ الإيراني، أو على الأقل أن تكون سورية منطقة عازلة بين إيران وإسرائيل no man’s land (وهذه هي الصورة التي تريدها أميركا للبنان أيضا).

هذا هو جوهر الخلاف بين أميركا وإيران حاليا. هو مجرد خلاف على الحدود ومناطق النفوذ، وهذا ما يثير جنون سعود ويتجعله يتصرف على نحو عجيب غريب. هو يفهم أن أميركا راحلة وأنها ستتركه ليواجه مصيره أمام شعبه، ولهذا السبب هو يحاول تفجير المنطقة بأي ثمن، وحاليا هو يسعى للتفجير من المدخل السوري، فمرة يطرح قوات حفظ السلام وغدا سيطرح الممرات الإنسانية والمناطق العازلة. هو يعيش أزمة وجودية ولا يعرف ماذا يفعل ليحافظ على كرسيه.

هو يعلم جيدا أن أميركا بمجرد اتفاقها مع إيران سترفع عنه وعن نظامه الغطاء. أميركا لن تستمر في دعم نظامه الذي يعود للقرون الوسطى وستتركه يواجه مصيره أمام شعبه. هذا هو كابوسه الذي يجعله لا ينام الليل.

فبراير 19, 2012 / Hani

المغاربة يتصدون للخليجيين

قرار تونس دعوة روسيا والصين لحضور مؤتمر “أصدقاء سورية” هو ضربة موجعة لحمد وسعود، لأن هذا يعني أن المؤتمر سوف يفقد الكثير من زخمه وقيمته.

قرأنا في الأيام الماضية كلاما عن امتعاض خليجي من مواقف تونس، وقرأنا أن تونس وقفت ضد الخليجيين في اجتماع الجامعة العربية الأخير ومنعتهم من اتخاذ خطوات من قبيل الاعتراف بـ”المجلس الوطني”.

يبدو أن المال الخليجي لم يعد قادرا على ترويض دول المغرب العربي. كلام رئيس الوزراء الموريتاني قبل يومين وكلام وزير خارجية الجزائر اليوم (والذي هاجم فيه الجامعة العربية بشدة، ويقصد حمد وسعود) هي مؤشرات على تفلت المغاربة من سيطرة الخليجيين المجانين.

أما مصر فهي باعت نفسها منذ أسابيع مقابل قرض البنك الدولي الذي تحصل عليه الآن. مصر الآن لا تبحث عن مصالحها الاستراتيجية وإنما تبحث فقط عن المال لسد رمقها وإطعام شعبها، ولهذا السبب هي تبيع مصالحها الاستراتيجية مقابل بعض الأموال. هذا الوضع المأساوي لمصر ليس جديدا بل هو وضع دخلت فيه مصر منذ عام 1967. مصر منذ هزيمة العام 1967 تحولت إلى جمهورية موز حقيقية. هي لا تبني سياساتها على أساس مصالحها الاستراتيجية بعيدة المدى وإنما تبحث فقط عن قوت يومها. مثل الشحاد الذي لا يهمه التخطيط للمستقبل وإنما كل ما يهمه هو توفير قوت يومه وألا يموت هذه الليلة من الجوع.

أنا لا أعيب على مصر وضعها الصعب هذا، ولكنني أعيب وأستنكر وأستهجن مواقف السوريين الذين يراهنون على مصر ويتذرعون بها لمنع تحقيق المصالح السورية.

المغاربة يتجهون الآن للتكتل، وهذا أمر ممتاز ويصب في مصلحة سورية ومصلحة المشروع القومي العربي. مصلحة سورية هي أن يكون المغرب العربي كتلة قوية وألا يكون مجرد كيانات متفرقة تهيمن عليها أميركا وأتباعها.

أميركا ضغطت كثيرا على الجزائر في الأسابيع الماضية لكي تغير موقفها من سورية، ولكن دول المغرب العربي رغم ذلك أبدت حدا أدنى من المقاومة ورفضت السير في المشاريع الأميركية للنهاية.

الآن دول المغرب تكتلت، ودول الخليج متكتلة، وبالتالي يمكننا أن نقول أن العالم العربي مكون من ثلاث مجموعات: دول الخليج ودول المغرب والدول الفاشلة الآيلة للتقسيم.

العراق وسورية ومصر والسودان هي كلها دول فاشلة سياسيا ووطنيا بامتياز وهي تسير حاليا على طريق التفتت والتقسيم، بخلاف دول الخليج ودول المغرب التي تسير نحو التوحد والتماسك.

من يتهرب من الفكر الوحدوي ويشجع الفكر الانعزالي سوف يكون مصيره التفتت. هذه نتيجة طبيعية. النظام السوري كان يحاول خلال السنوات الماضية تشجيع النزعة الانعزالية في سورية، فكانت النتيجة الطبيعية هي “الثورة السورية”. عندما يرى الناس أن كل كلامك وشعاراتك العروبية هي مجرد هراء فعندها من الطبيعي أن يتجهوا للأفكار والنزعات الانعزالية.

سورية هي دولة لا تملك مقومات البقاء لا من حيث الموارد ولا من حيث الموقع ولا من حيث التركيب ولا من حيث الظروف. تهرب حكام سورية طوال القرن الماضي من تحقيق الوحدة العربية هو السبب الأساسي لما حل بسورية من كوارث عسكرية وانحدار سياسي واقتصادي واجتماعي. النظام السوري يزعم الآن أن لا شيء حدث في سورية وأن كل ما حدث هو عبارة عن مؤامرة. صحيح هناك مؤامرة ولكن هذه المؤامرة حظيت بدعم جماهيري كبير في سورية، وإن كان النظام السوري يصدق نفسه في أن ما حدث هو فقط بسبب القوى الخارجية فهذه مصيبة ونذير شؤم لمستقبل البلد.

يجب على بشار الأسد أن يضع نفسه مكان الشاب السوري وأن يفكر مثل هذا الشاب حتى يفهم حقيقة المؤامرة وحقيقة ما حدث. الشاب السوري يعيش ظروفا حياتية صعبة في سورية وعندما يزور الدول المجاورة يلاحظ فرقا واضحا في مستوى المعيشة، والشاب السوري يفسر هذا الأمر على أنه بسبب الممانعة والمقاومة السورية التي لا نلمس لها أي نتيجة في الواقع.

المقاومة التي لا تثمر شيئا سوى الفقر لا يمكن لأحد أن يدعمها، وكثيرون سوف يتآمرون عليها.

مبدأ المقاومة ليس خطأ، ولكن ما هي فائدة المقاومة التي تجعلنا في مواجهة أكثر من 130 دولة في العالم؟ هذا سؤال أسأله أنا لنفسي.

صحيح أن الاقتصاد السوري تحسن خلال السنوات الماضية، ولكن هذا التحسن كله اختفى وتلاشى الآن، أي أننا عدنا لنقطة الصفر، ولا أعتقد أن الاقتصاد السوري سيعود للنمو مجددا بوتيرة كوتيرة السنوات السابقة.

النمو الاقتصادي السوري خلال السنوات الماضية كان عبارة عن فقاعة لأنه لم يكن مستندا إلى قوة سياسية وعسكرية تحميه. أميركا عندما شعرت بأن الاقتصاد السوري بدأ ينمو هاجمته بسرعة وقضت عليه بسهولة. هذا يعني أن النمو لم يكن نموا مستداما وإنما كان نموا عابرا وعبارة عن فقاعة.

حاليا نحن خسرنا كل شيء. خسرنا الاقتصاد وخسرنا الأمن وخسرنا النفوذ الإقليمي وأصبحنا على شفير التقسيم.

كثير من السوريين يحملون معتقدا هو في رأيي معتقد غريب، وهذا المعتقد يقوم على فكرة أن كل شيء سوف يعود إلى سابق عهده بمجرد “انتهاء الأزمة”.

أولا أنا أتساءل، هل هناك شيء اسمه “انتهاء الأزمة” في سورية؟

إذا افترضنا أن الأزمة السورية يقوم بها تنظيم محدود فمن الممكن أن نتحدث وقتها عن انتهاء الأزمة، ولكن ما أراه هو أن المتمردين يحظون بدعم شعبي داخي وبدعم خارجي لا محدود، والأسد نفسه أقر في خطابه الأخير باستحالة إنهاء الأزمة داخليا وبأن حلها يكمن في الخارج وليس في الداخل.

المعارضة السورية هي معارضة عقائدية متشددة وهي لن تستسلم أبدا في المدى المنظور. أحداث الجزائر استغرقت أكثر من 10 سنوات حتى انتهت رغم أن المعارضة هناك كانت محاصرة دوليا والشعب الجزائري كله متجانس دينيا وليست هناك طوائف متعددة وأحقاد متجذرة. أحداث العراق لم تنته حتى الآن رغم مرور حوالي 9 سنوات، وما زلنا نسمع أخبار التفجيرات والمذابح في العراق. الحرب الأهلية في لبنان استمرت 15 سنة، وطبعا في بداية الحرب لم يكن أحد من اللبنانيين يتخيل أنها ستستمر لسنوات وكانوا يتخيلون أن الصراع سينتهي خلال أسابيع قليلة.

أنا أشك في وجود “نهاية” منظورة للأزمة السورية. الأزمة السورية لا يمكن أن تنتهي إلا بحل خارجي، والحل الخارجي هو أمر كبير لأن الوضع السوري مرتبط مباشرة بالوضع الإسرائيلي ومن المستحيل أن تنتهي الأزمة السورية بدون حل قضية إسرائيل ومستقبلها في المنطقة. أي أن انتهاء الأزمة السورية صار في رأيي مرتبطا بحل قضية فلسطين، وهو نفس الوضع الذي وجد فيه لبنان نفسه منذ عقود. هذا هو ما قصدته عندما قلت في الأشهر الأولى للأزمة بأن الوضع السوري صار كالوضع اللبناني وأن النظام السوري لا قدرة له على حسم الأمور.

أميركا تتصرف منذ البداية على أن الصراع هو صراع طويل المدى، وهذا كلام أنا تحدثت عنه كثيرا في السابق ولا أريد إعادة نفس الكلام. أميركا لم تكن أبدا واثقة من سقوط النظام السوري ولكنها كانت تعمل منذ البداية على تحويل الوضع السوري إلى حلقة مفرغة من العنف والفقر والتدهور—حلقة لا تنتهي أبدا إلا بعد مرور سنوات طويلة، والهدف هو تحلل الدولة السورية وتحقيق المشاريع التي نشرتها مراكز الأبحاث الأميركية (والتي هي في الحقيقة ليست إلا إعادة إنتاج للمشاريع الصهيونية القديمة).

أميركا الآن وفرت كل أجواء حلقة العنف الأبدية:

 أولا: هي خلقت “معارضة” لا أفق لها سوى القتال الأبدي. أميركا شجعت المعارضة منذ البداية على رفض الحوار مع الطرف الآخر وأقنعتها بأن الطرف الآخر يمكن إلغاؤه من الوجود، وهذا طبعا وهم كبير. الطرف الآخر لا يمكن إلغاؤه أبدا حتى ولو استمر القتال لمئة عام. ليس فقط بسبب قوة الطرف الآخر ولكن أيضا لأن الموازين الدولية والإقليمية لا تسمح بإلغائه— حتى أميركا نفسها لن تسمح بإلغائه.

غبي جدا من يظن أن أميركا ستسمح للمعارضة بإلغاء الطرف الآخر. أميركا بدأت خلال الأسابيع الماضية تتباكى على العلويين والمسيحيين والدروز ليس لأن ضميرها استيقظ فجأة ولكن لأنها أدركت أن الوضع السوري دخل في الحلقة المفرغة، والآن وبعد أن تأكدت أميركا من أن الوضع دخل في حلقة مفرغة انسحبت ووقفت على الحياد تحت حجة أنها لا تثق بالمعارضة السورية، وكأنها اكتشفت المعارضة السورية الآن فقط ولم تكن تعلم بحالها منذ البداية.

أميركا الآن لن تسمح لأي طرف في الصراع السوري بإلغاء الآخر، وهي ستعمل ما بوسعها لتأبيد الصراع في سورية إلى أطول فترة ممكنة (إلى أن تتحقق أهدافها الاستراتيجية المعروفة والتي تهدف أساسا لتأبيد وجود إسرائيل).

ثانيا: أميركا ضربت كل أساسات الاقتصاد السوري، وبهذا ضمنت تحييد سورية في الميزان العسكري الإقليمي وضمنت أيضا تأبيد الصراع في سورية لأن الفقر لا يولد سوى المزيد من التطرف والعنف.

ثالثا: أميركا عملت على خلق اصطفافات إقليمية تهدف إلى تأبيد الصراع في سورية. أميركا عندما سعت جاهدة لدفع أتباعها لمقاطعة سورية كانت تهدف إلى خلق محاور متصارعة في المنطقة وخلق حرب باردة لا نهاية لها.

هذه هي المسارات التي كانت أميركا تعمل عليها منذ البداية، وسبب تراجع أميركا الآن ليس لأنها اكتشفت فجأة قوة النظام السوري بل لأنها أنجزت ما كانت تريده.

أميركا ليست معزولة عن سورية إلى درجة أنها لا تعلم الواقع على الأرض. السفير الأميركي عندما زعم بأنه زار حماة ولم ير مسلحين لم يكن يتحدث جديا، لأن أميركا لا تبني معلوماتها على ما رآه السفير خلال زياراته. التصريحات التي أطلقها السفير كانت للاستهلاك الإعلامي فقط.

أميركا لم تكتشف القاعدة في سورية خلال الأسبوع الماضي. أميركا كانت تعلم منذ البداية بدخول القاعدة إلى سورية وهي أصلا من عمل على إدخالها.

هدف أميركا هو ألا ينتهي الصراع في سورية، وأية محاولة لإنهاء الصراع هي ضد مصلحة أميركا. هذا ما حصل في لبنان سابقا.

بالنسبة للنظام السوري فهو للأسف لا يستطيع الخروج من الحلقة المفرغة. النظام السوري يستطيع الآن تهدئة الأوضاع ولكنه لا يستطيع “إنهاء الأزمة”. إنهاء الأزمة هو أمر سيستغرق فترة طويلة جدا لا أعلم كم ستطول، ولا أعلم أصلا إن كانت سورية كدولة ستصمد حتى ذلك الوقت.

إذا وقع حدث هائل في المنطقة يقلب الموازين فمن الممكن عندئذ أن ينتهي الصراع. ما سيحدث في تلك الحالة هو أن سورية وحلفاءها سيجبرون أميركا وحلفاءها على الضغط على المعارضة السورية للقبول بحل سلمي وإنهاء القتال (وسيجبرونهم أيضا على رفع العقوبات). ولكن مثل هذا السيناريو هو في رأيي صعب التحقيق لأن مصير سورية مرتبط بشكل مباشر بمصير إسرائيل، وأميركا لن تقبل بأي حل في سورية لا يتضمن تثبيت وجود إسرائيل أبديا.

أقصى ما يمكن للنظام السوري فعله الآن هو إبقاء الأوضاع مضبوطة نسبيا ومنع الانهيار الشامل. وضع سورية الآن هو مثل وضع المريض المصاب بالسرطان الذي يصف له الطبيب العلاج الكيماوي ليس لإزالة السرطان ولكن لتخفيف الأعراض.

 الأزمة السورية هي أزمة خارجية بامتياز وليس لها أي حل داخلي.

مصيبة سورية الآن ليست في العنف فقط وإنما في الانحدار الاقتصادي. الإعلام السوري بدأ يمهد الآن لزيادة انقطاع الكهرباء، وهذا أمر متوقع لأن الكهرباء في سورية لا تأتي من السماء وإنما تأتي من محطات توليد، وبناء محطات التوليد في سورية متوقف تماما منذ عام وحتى إشعار آخر.

الطلب على الكهرباء في سورية يتزايد سنويا بنسبة كبيرة، والدولة في السابق كانت تسابق الزمن لبناء محطات التوليد الجديدة وكانت تجد صعوبة في ذلك لأن بناء محطات التوليد مكلف جدا ومن الصعب إقناع الشركات الأجنبية بالاستثمار في هذا المجال في سورية. حاليا مرت أكثر من سنة بدون بناء محطات جديدة وبدون وضع أية خطط لبناء محطات جديدة. حتى لو لم يكن هناك عقوبات فإن الشركات الأجنبية من الصعب أن تأتي لبناء محطات توليد في سورية في ظل الحرب التي تشنها أجهزة المخابرات الأجنبية على قطاع الكهرباء في سورية من أعمال تخريب ونحو ذلك.

حتى المحطات الموجودة حاليا لا يمكنها أن تظل تعمل بطاقتها الكاملة لأن هذه المحطات بحاجة للوقود ولقطع الغيار، وفي ظل الحصار الدولي من الصعب توفير الوقود وقطع الغيار.

لهذه الأسباب فإن مستقبل قطاع الكهرباء في سورية هو مستقبل مظلم. أنا أستغرب جدا كيف أن بعض الناس ينتظرون تحسن الكهرباء… ما الذي سوف يجعلها تتحسن؟… أنا أتوقع أن نصل إلى مرحلة يصبح فيها الحصول على 4 ساعات في اليوم نعمة كبيرة، وهذا حصل من قبل في العراق ولبنان.

انقطاع الكهرباء يعني ضرب المعامل والمنشآت التجارية، وبالتالي تقليل الإنتاج وزيادة الخسائر والبطالة وزيادة تدهور الاقتصاد عموما.

انقطاع الكهرباء سوف يجبر أصحاب المعامل والمحلات للجوء للمولدات الخاصة، وهذه المولدات تستهلك الوقود، والوقود أصلا مفقود وزيادة الطلب عليه لن تؤدي سوى لرفع سعره، ومزيد من تدهور الاقتصاد.

هذه حلقة مفرغة مدمرة. كل شيء يؤثر في أشياء أخرى، والنتيجة النهائية هي الانحطاط والتدهور التام.

هل يعلم القراء أن نسبة الأمية في العراق في عام 2005 كانت 60%؟ هذا الرقم مصدره الأمم المتحدة.

أميركا خلال عقد التسعينات قضت على التعليم في العراق، ولهذا كانت النتيجة أن نسبة الأمية ارتفعت إلى 60%، وحتى الـ 40% غير الأميين لم يكونوا متعلمين تعليما رفيعا بالطبع.

ناهيك عن القطاع الصحي والكوارت التي حلت به. معدل وفيات الأطفال في العراق خلال سنوات الحصار كان معدلا هائلا يبلغ أضعاف المعدل في الدول المجاورة.

الآن ومع تفشي الفقر في سورية سوف يضطر المزيد والمزيد من الأطفال لترك المدارس، وهذا يعني تفشي الأمية في سورية، وهؤلاء الأطفال الأميون سوف يصبحون فريسة سهلة لفكر العصابات الوهابية.

في العراق ارتفعت نسبة الدعارة بشكل كبير خلال سنوات الحصار، وهذا الأمر لا علاقة له بالشرف والأخلاق وإنما كان بسبب الفقر. إذا ازداد الفقر في سورية فنفس الشيء سوف يحصل أيضا، والمرأة التي تعمل في الدعارة لن تربي طفلا صالحا بل سوف يكون طفلها مشروعا لمجرم وهابي.

أنا ليس هدفي من هذا الكلام التهويل والتحبيط. أنا فقط أشرح معنى العقوبات والفقر والعنف وما الذي ستؤدي إليه. طبعا الوضع السوري لم يصل للمرحلة الأسوأ لأن نبيل العربي فشل في فرض حصار دولي شامل على سورية، ولكن هذا لا يغير من حقيقة أن الاقتصاد السوري يتدهور.

إذا تمكنت السلطات السورية من توجيه ضربة قاصمة للمتمردين وساد هدوء نسبي من الممكن مثلا أن تعود عجلة الاستثمار الداخلي للعمل، ومن الممكن أيضا أن تأتي استثمارات صينية وروسية مثلا. ولكن حتى هذا الأمر لن يوقف عجلة الفقر بل سيخفف منها فقط. هناك حوالي 100 دولة في العالم تعمل على تدمير الاقتصاد السوري وتصعيد العنف في سورية. هذا واقع لا يمكننا الهروب منه.

الأزمة السورية هي أزمة طويلة الأمد. حتى لو سيطر الجيش على كل شبر في البلاد فإن هذا لن يوقف مساعي أميركا وحمد وسعود لنشر الفوضى في سورية وتدمير الاقتصاد. حل الأزمة السورية ليس في حمص ولا إدلب. الحل هو في الرياض وواشنطن.

النظام السوري يتلطى خلف لجنة الدستور

النظام السوري يتبع استراتيجية التلطي وراء أعضاء لجنة الدستور لتبرير إبقائه للمادة الثالثة. هو منذ البداية كان يحاول أن يظهر نفسه على أنه ضد المادة الثالثة ولكن لجنة الدستور هي التي تريد إبقاءها.

أنا كتبت تدوينة عن موضوع المادة الثالثة في اليوم الذي اجتمع فيه بشار الأسد مع المشايخ ووعدهم بإبقائها في الدستور (وذلك قبل تشكيل لجنة الدستور بزمن طويل). في ذلك اليوم كان واضحا أن النظام السوري لديه قرار بإبقاء المادة الثالثة والقصة لا علاقة لها بلجنة دستور ولا بأي شيء من هذا الكلام.

فبراير 18, 2012 / Hani

المادة الثالثة وسقوط الحجج الواهية

حسب وسائل الإعلام النفطية فإن مدينتي دمشق وحلب تشهدان تصاعدا في حركة التظاهر، وحسب إحدى القنوات النفطية فإن المظاهرات وصلت إلى قصر الأسد في دمشق وإلى مقار المخابرات.

أنا شاهدت مقاطع من هذه المظاهرات على القنوات النفطية وكان من الواضح أن شعاراتها دينية.

بالأمس سمعت الناطق باسم “الثورة” في حلب يتحدث على قناة الجزيرة النفطية ولفتني أنه (ولأول مرة) استخدم مصطلحات من قبيل “إعلاء كلمة الله”.

هؤلاء الذين يخرجون لإعلاء كلمة الله هم ناس معترضون على الدستور الجديد، أي أنهم من أنصار التيار الإسلامي، وكما توقعنا منذ البداية فإن الدستور الجديد يثير غضبهم.

عندما طرح حافظ الأسد دستوره في عام 1973 كان الدستور ينص صراحة على علمانية الدولة ويخلو من أي ذكر للإسلام، وبعد أن احتج الإخوان المسلمون وقتلوا عشرات الأشخاص تنازل حافظ الأسد ووضع المادة الثالثة الحالية، ولكن الإخوان رفضوا رغم ذلك القبول بالدستور وكانوا يطالبون بتعديل الفقرة التي تنص على دين الرئيس لكي تنص على أنه يجب أن يكون من المذهب السني حصرا، وكانت حجتهم في ذلك هي أن المادة التي أضيفت إلى الدستور في عام 1950 والتي تقول أن “دين الرئيس هو الإسلام” كان المقصود منها هو أن يكون الرئيس من المذهب السني، لأن “الإسلام” في مصطلحات الإخوان يعني السنة فقط وأما العلويون فهم لا يعتبرون مسلمين حسب المصطلحات الإخوانية.

أيضا الإخوان كانوا يطالبون بإضافة نص يقول أن “سورية دولة إسلامية”، وهذا النص هو مطلب قديم للإخوان يعود إلى بداية نشأة جماعتهم في الأربعينات. في عام 1950 عندما أصر الإخوان على وضع هذه العبارة في الدستور اعتصم رؤساء الكنائس المسيحية في دمشق وأعلنوا رفضهم لها، ولذلك اضطر الإخوان للتخلي عن هذا المطلب الذي لم يكن المسيحيون فقط يرفضونه وإنما كل القوى السياسية السورية قي ذلك الوقت.

أفكار الإخوان المسلمين والوهابيين معروفة، والدستور المطروح حاليا لا يلبي شيئا من أفكارهم بل بالعكس هو يحتوي على الكثير من النصوص المستفزة لهم (خاصة النصوص التي تتحدث عن المساواة بين المواطنين والحريات). لهذا السبب لا نستغرب خروج مظاهرات في دمشق وحلب احتجاجا على الدستور.

النظام السوري وأتباعه كانوا يتذرعون “بالأسباب الأمنية” لإبقاء المادة الثالثة في الدستور، ونحن الآن نتساءل أين هو الأمن المزعوم الذي حفظته المادة الثالثة؟

من يظن أن المادة الثالثة ترضي الإسلاميين هو منفصل عن الواقع. الإسلاميون يرفضون الدستور الجديد جملة وتفصيلا وهذا الدستور بالنسبة لهم هو دستور كفري سواء كانت المادة الثالثة موجودة فيه أم لم تكن موجودة.

كان يجب على الأحزاب والقوى العلمانية أن تشن حملة على النظام السوري لإجباره على حذف الفقرة الأولى من المادة الثالثة قبل موعد الاستفتاء. لو قامت القوى العلمانية بتبني هذا الموضوع جديا فهم قادرون على الضغط على النظام لأن هذه القوى لو دعت الناس للتصويت بلا على الدستور فهذا سوف يؤدي إلى حصول الدستور على نسبة تأييد هزيلة.

النظام السوري الآن بحاجة لدعم الناس لدستوره وإلا فإنه سيتعرض للحرج أمام الرأي العام الدولي. هذه نقطة ضعف كان يجب استغلالها للي ذراع النظام وإجباره على حذف الفقرة الأولى من المادة الثالثة.

النظام السوري كان يراهن على أنه إذا أغرق الدستور بالعبارات الجميلة والرنانة فإنه سوف يخدر الناس وينسيهم المادة الثالثة، ولهذا السبب هو مستعجل جدا لإجراء الاستفتاء لأنه يريد أخذ الناس بالغفلة.

أنا ليس هدفي من هذا الكلام هو التهويل والمبالغة من شأن المادة الثالثة. المادة الثالثة ليست كارثة كبرى وبقاؤها في الدستور لن يغير من حقيقة أنه دستور جيد وأفضل من الدساتير السابقة، ولكنني أستغرب إصرار النظام السوري على إبقاء الفقرة الأولى من المادة الثالثة رغم علمه بأن هذه الفقرة تستفز قطاعا عريضا من السوريين ورغم علمه بأن الإسلاميين لن يرضوا عن الدستور أبدا سواء بقيت المادة الثالثة أم أزيلت منه.

ثوار سورية قتلوا عددا لا بأس به من رجال الدين. قبل أيام قتلوا إمام جامع في الميدان وقبله قتلوا ابن المفتي وغيرهم، ولو تمكنوا من الوصول إلى البوطي وحسون لقتلوهما أيضا (القنوات السعودية الوهابية تقوم منذ أشهر بالتحريض الصريح على البوطي وحسون وتتهمهما بالكفر والنفاق). هؤلاء الثوار الذين يقتلون رجال الدين السنة هل ينتظر منهم أن يقبلوا ببشار الأسد ودستوره بسبب المادة الثالثة؟ هذا كلام لا يقنع أحدا.

النظام السوري بتمسكه بالفقرة الأولى من المادة الثالثة أحبط كثيرا من أنصاره ولم يكسب أحدا من خصومه، أي أنه ينطبق عليه المثل القائل “لا ظهرا أبقيت ولا أرضا قطعت”. يجب في رأيي الضغط على النظام لحذف هذه الفقرة قبل موعد الاستفتاء تحت طائلة التصويت بلا على الدستور وإحراج الأسد أما أصدقائه الروس والصينيين.

فبراير 17, 2012 / Hani

تطبيق الدستور الجديد

لا أريد أن أتحدث عن نشاطات حمد وسعود لأنها بالنسبة لي لم تعد مجرد تنطيح وإنما صارت أشبه بالمسرحية الهزلية، ولذلك هي لا تستحق الحديث عنها أو التعليق عليها.

تصريحات ونشاطات ألان جوبيه الأخيرة لا تعبر عن موقف جدي وإنما هي مجرد مواقف مأجورة ومدفوعة الثمن من قطر والسعودية، ومثل هذه النشاطات لا قيمة لها ولا تستحق التعليق عليها. أصلا جوبيه لم يبق له إلا شهران فقط في السلطة وبعد ذلك سيرحل وربما يرحل معه ساركوزي أيضا.

أما أميركا فهي الآن دخلت في مواجهة شبه مفتوحة مع حمد سعود. قبل يومين تحدث رئيس المخابرات الأميركية عن اختراق تنظيم القاعدة للمعارضة السورية وعن أن المعارضة السورية مشرذمة وفاشلة، واليوم كرر وزير الدفاع الأميركي نفس الكلام.

هذه المواقف الأميركية في هذا التوقيت ليست صدفة. هي تأتي في نفس سياق التسريبات التي نشرها موقع دبكا وغيره من وسائل الإعلام الغربية. أيضا التصريحات العراقية الأخيرة عن تسرب القاعدة إلى سورية ربما تكون باتفاق مع أميركا.

موقع دبكا غير نهجه تماما وصار الآن يؤيد النظام السوري. أنا للأسف لم أدخل منذ فترة إلى موقع جوشوا لانديز ولكنني لا أستبعد أن يكون هذا الموقع وأمثاله قد غيروا هم أيضا موقفهم.

هناك تغير شامل في الموقف الأميركي بدأت بوادره منذ أشهر ووصل إلى ذروته في رأيي بعد صدور تقرير الدابي. خطبة كلينتون في مجلس الأمن كانت بعيدة جدا عن خطبة حمد ونبيل العربي وكان من الواضح أن كلينتون تغرد في سرب آخر.

جوبيه المسكين يحاول الآن إرضاء حمد وسعود، ولكنني لاحظت أنه قبل التوجه إلى الجمعية العامة أقر بأن قرار الجمعية العامة هو قرار “رمزي”، وكأنه كان يهيء حمد وسعود نفسيا حتى لا يصابا بالإحباط بعد ذلك.

الآن قنوات حمد وسعود منشغلة برسم الخرائط لسورية والشرح للمشاهدين عن كيفية “شق” الممرات الإنسانية، ولكنني واثق من أن هذه الممرات لن تشق.

تركيا رفضت شق الممرات الإنسانية من حدودها وقالت أن الأفضل شقها عبر البحر من قبرص (شيء مضحك)، وجوبيه الآن يقول أنه يبحث موضوع شق الممرات مع روسيا، ولكنني لا أظن أن هذه المباحثات جدية وهي في رأيي تهدف فقط لامتصاص ضغط حمد وسعود.

أميركا الآن مذعورة من خطط حمد وسعود لتسليح “المعارضة السورية”، ولهذا السبب رأينا أن رئيس الاستخبارات الأميركية هاجم المعارضة السورية وتبعه وزير الدفاع الأميركي. هذه التصريحات ليست بسيطة لا في توقيتها ولا مضمونها ولا الأشخاص المطلقين لها. ما يلي جزء من كلام وزير الدفاع الأميركي:

ونقلت وكالة (يونايتد برس انترناشونال) الأمريكية عن بانيتا قوله انه “في حين تركز الولايات المتحدة على ممارسة ضغوط دبلوماسية واقتصادية على الحكومة السورية، فإن محاولة تنظيم القاعدة إيجاد موطئ قدم لها في سورية مثير للقلق، مضيفاً أن “مدى انخراط القاعدة في قوى المعارضة السورية غير واضح ويبقى أن نعرف ما هو دورها بالتحديد وما أهميته، ولكن مجرد أنها موجودة هناك يثير قلقنا”.

هذا الكلام موجه لحمد وسعود للضغط عليهما لإلغاء خططهما الإرهابية في سورية. حمد وسعود يعدان منذ فترة لتحويل سورية إلى أفغانستان سوفييتية جديدة، وأميركا مذعورة من هذا السيناريو لأنه سوف يجر المنطقة إلى حرب شاملة لا تريدها أميركا.

أنا في رأيي أن مؤتمر أصدقاء سورية لن يؤدي إلى شيء عملي، وفي حال قرر حمد وسعود تصعيد دعمهما للإرهاب فمن الواضح أن أميركا ستتدخل للجمهما.

أصلا حتى لو أراد حمد وسعود إدخال السلاح إلى الإرهابين فإنهما لا يملكان منفذا لذلك. تركيا لا تجرؤ على فتح حدودها لنقل السلاح بشكل مكثف، ولهذا السبب قالت لحمد وسعود أن يدخلا الأسلحة من البحر عبر قبرص (ضحكة للمرة الثانية). الأردن أيضا لا يجرؤ على مثل هذا السيناريو.

بعد شهرين سوف تتغير الموازين الدولية، خاصة إن رحل النظام الفرنسي الحالي وأتى نظام جديد.

بالنسبة للوضع الداخلي فهو سوف يستقر بشرط واحد وهو تطبيق الدستور الجديد بشكل جدي وصادق، وأنا أعتقد أن الأسد جاد في تطبيقه لأنه ليس من السذاجة بحيث يظن أن بإمكانه “الحسم العسكري” وإعادة الأمور إلى الوراء. أصلا من قراءة نصوص الدستور يتبين أن من وضعه كان يفكر جديا في تطبيقه.

في العراق قبل خمس سنوات كان تنظيم القاعدة يسيطر على مساحات شاسعة من البلاد ويحظى بدعم سكانها، وبعد سيطرة الحكومة العراقية على تلك المناطق لم يختف تنظيم القاعدة بل ظل موجودا ويقوم بعمليات بين الفينة والأخرى. أنا أتوقع نفس السيناريو في سورية. سيطرة الحكومة على حمص لن تنهي المعارضة بل هي ستظل موجودة وتقوم بعمليات متفرقة بين الفينة والأخرى، ولكن طبيعة العمليات ستختلف حيث أن المعارضة بعد فقدانها السيطرة على الأرض سوف تحاول أن تلجأ للعمليات الصاخبة إعلاميا (كما يفعل تنظيم القاعدة في العراق).

في بداية الأحداث الحالية كان ربما 80% من السوريين حانقين على النظام السوري. النظام السوري تصرف بشكل حصيف ونجح في جذب الوسطيين تدريجيا إلى صفه حتى تمكن الآن من عزل المعارضة التي أصبحت أقلية واضحة. هذه الاستراتيجية تعلمها بشار الأسد من والده وكما نجح حافظ الأسد في تطبيقها في السبعينات فإن بشار الأسد نجح في تطبيقها الآن وبشكل أسرع بكثير من التجربة السابقة.

أنا كنت أدرك منذ الأسبوع الأول للأزمة أن بشار يسير على خطى والده، ولكن ما كان يخيفني هو سيناريو ما بعد قمع المتمردين. هل سوف يقلد بشار الأسد والده في هذا السيناريو أيضا؟ أنا بصراحة أستبعد ذلك وأنا استمعت لخطابات بشار وقرأت دستوره ولم أجد ما يوحي بأنه يريد تكرار سيناريو والده المميت.

الدستور الجديد جيد. أنا لدي ملاحظات عليه وخاصة المادة الثالثة التي هي في رأيي كقطرة السم التي من شأنها إفساد كل الطبخة، ولكن رغم ذلك فإن الدستور جيد وفيه نزعة واضحة للمساواة egalitarianism، وفيه أيضا تأثر واضح بالأيديولوجيا الأميركية إلى درجة أن كتابه قاموا بقص ولصق بعض العبارات حرفيا من الأدبيات الأميركية (مثلا عبارة “من الشعب وبالشعب وللشعب” التي أخذوها من خطبة أبراهام لينكولن الشهيرة في Gettysburg بعد أن بطش بالمتمردين الجنوبيين). ربما يكون بشار الأسد يرى نفسه كأبراهام لينكولن، وفي الحقيقة هناك تشابه كبير بين المثالين لأن أبراهام لينكولن عندما ووجه بانفصال الولايات الجنوبية لم يختر التنازل لمطالب الجنوبيين وإنما اعتبرهم متمردين وخارجين على القانون وشن عليهم حربا دموية من أشرس الحروب الأهلية في التاريخ. الحرب السورية الحالية تعتبر لا شيء مقابل حرب لينكولن على الجنوب الأميركي.

معضلة الإنترنت

من الأمور المحيرة التي تجعلني أشك في إصلاحات النظام السوري هو موضوع الإنترنت. ما زالت في سورية كثير من مواقع الإنترنت محجوبة حتى الآن ورغم الحديث عن التغيير.

ما هي الحكمة من حجب صحيفة “الشرق الأوسط” و”القدس العربي” وغيرهما من وسائل الإعلام النفطية والغربية؟ هل حجب الصحف هو أمر يتفق مع حرية التعبير؟

في سورية لا يمكن فتح أي موقع إسرائيلي على الإطلاق مهما كان نوعه، حتى لو كان صحيفة أو موقعا للمعلومات. هل إسرائيل تحجب مواقع الصحف السورية؟ أنا لم أسأل عن هذا الموضوع ولكنني بدون أن أسأل أستبعد أن تكون إسرائيل تحجب الصحف السورية.

إذا كانت عقلية النظام السوري قد تغيرت بالفعل فهو يجب أن يزيل الحجب تماما عن كل الصحف ومواقع الأخبار والمعلومات. حتى لو كانت هذه الصحف صهيونية أو نفطية أو غربية.

أنا لا أدري أصلا من هو الذي يتخذ قرارات حجب المواقع في سورية وعلى أي أساس. المفترض في الدول التي يحكمها القانون أن يكون حجب المواقع على أساس القانون وبأمر قضائي، أما في سورية فأنا لا أظن أن القضاء له أي دخل في حجب المواقع. من يحجب المواقع في سورية هي المخابرات، وهذا أمر يناقض تماما الحديث عن الإصلاح والتغيير والقوننة والمأسسة.

أنا لا يمكنني أن أثق بجدية النظام السوري في الإصلاح إلا عندما أرى أن القيود عن الصحف ومصادر المعلومات قد أزيلت تماما. أما الاستمرار في سياسة قمع الصحف التي لا يعجب كلامها السلطات فهذا يعني أننا سوف نعود إلى المربع الأول إن عاجلا أم آجلا، والعودة للمربع الأول هي أمر خطير لأنها تعني أن المرض سينكس وأن الثورة ستشتعل من جديد.

فبراير 17, 2012 / Hani

بلاد العرب (2)

أقسام بلاد العرب في القرن السادس الميلادي


هذا المقال هو استكمال لموضوع كنت قد بدأته قبل فترة تحت عنوان “تاريخ العرب”. كنت أريد من هذا المقال أن يكون مجرد مقدمة جغرافية وجيزة أدخل منها للحديث عن تاريخ العرب في الفترة السابقة للإسلام، ولكنني انحرفت بشكل غير مقصود وغصت كثيرا في التفاصيل الجغرافية مما جعل المقال أشبه بدراسة أو بحث جغرافي وأفقد العنوان معناه، ولهذا السبب غيرت العنوان إلى “بلاد العرب” وقررت اعتبار هذا الموضوع منفصلا عن الموضوع التاريخي الذي سوف أكتبه لاحقا.

بلاد النبط

مملكة النبط


تحدثت في المقال الأول عن المنطقة الأولى من مناطق الجزيرة العربية حسب التقسيم اليوناني-الروماني القديم وهي منطقة عربية الصحراوية Arabia Deserta، والآن سوف أتحدث عن المنطقة الثانية وهي عربية الصخرية Arabia Petraea.

بالنسبة لعربية الصخرية فهي منطقة نابعة من التقسيم الجغرافي اليوناني-الروماني القديم وليست تقسيما عربيا، ولذلك فإن العرب في زمن ظهور الإسلام لم يكونوا يعرفون هذه المنطقة كوحدة مستقلة وإنما كانوا يعتبرونها تنتمي كليا أو جزئيا إلى الشام، ويقصدون بالشام المنطقة التي كان الروم البيزنطيون يسمونها سورية Syrίa) Συρία).

عربية الصخرية عند الجغرافيين اليونانيين كانت تعني بالأساس بلاد الأنباط أو النَبَط التي كانوا يسمونها في الأصل نبطية Nabataea، والنبط هو اسم لشعب بدوي الأصل كان يسكن منطقة جبل الشراة منذ منتصف الألفية الأخيرة قبل الميلاد (القرن الخامس قبل الميلاد) وحتى القرن الثالث الميلادي، والنبط كانوا يتحدثون نفس اللغة المُضَرية التي كانت قبيلة قريش تتحدثها في القرن السادس الميلادي (زمن ولادة الرسول)، مما يعني أن النبط هم أقدم شعب معروف كان يتحدث اللغة المضرية التي تعرف الآن باللغة العربية.

تاريخ النبط القديم وأصلهم مجهول، ولكن عددا من المستشرقين والباحثين يرون أن النبط سكنوا جبل الشراة لأول مرة بعد الغزو البابلي لفلسطين (بقيادة نبوخد نصر) في العام 586 قبل الميلاد، ومنذ ذلك الوقت بدأ النبط يغيرون نمط حياتهم القديم ويتحولون إلى نمط حياة جديد قائم على التجارة. النبط استغلوا ضعف السلالات اليونانية الحاكمة لسورية (السلوقيون) ومصر (البطالمة) وبدؤوا منذ القرن الثالث قبل الميلاد بتكوين مملكة توسعية في جنوب سورية على حساب مناطق كان يتناوب على حكمها سابقا السلوقيون والبطالمة (والنبط لم يكونوا الوحيدين في ذلك حيث أن هناك أقواما أخرى عدة كونت مماك مستقلة في تلك الفترة في أراضي السلوقيين). أول ملوك النبط المعروفين هو “حارثة” الذي ورد اسمه في نقش نبطي من العام 168 قبل الميلاد (حرتت) وورد اسمه أيضا في سفر يهودي مكتوب باللغة اليونانية (Aretas)، ويسميه المستشرقون باسم “حارثة الأول” Aretas I.

بعد حارثة الأول ظهر عدد من الملوك الذين قاموا بتوسيع مملكة النبط بشكل تدريجي حيث نجحوا في مدها شمالا إلى صلخد وبصرى في جنوب شرق حوران (وفي بعض الأزمنة إلى دمشق) ونجحوا في ضم مناطق من شرق الأردن وشمال الحجاز وأجزاء من فلسطين ومن شبه جزيرة سيناء.

في عام 62 قبل الميلاد (في عهد حارثة الثالث Aretas III) أصبحت مملكة النبط تابعة للرومان وصارت تدفع لهم الجزية، وفي عام 106 ميلادي ألغى الإمبراطور الروماني ترايان Trajanus مملكة النبط وحولها إلى مقاطعة رومانية باسم عربية الصخرية Arabia Petraea والتي صارت تعرف أيضا بعربية Arabia.

الشراة

مهد المملكة النبطية هو جبل الشَّراة أو جبال الشَّراة، والتي كان يسكنها قبل النبط الإداميّون Edomites، ولهذا السبب فإنني رأيت أن بعض الباحثين التوراتيين يسمون جبال الشَّراة باسم “جبال الإداميين” Edomite Mountains.

كلمة “الشَّراة” هي على ما أظن مرادف لكلمة “السَّراة” التي تطلق على مرتفعات الحجاز واليمن، ومعناها المرتفع من الأرض. هناك مرتفعات كثيرة في الجزيرة العربية كانت أسماؤها مشتقة من هذا الجذر. ما يلي من معجم البلدان:

وقال نصر الشرى مقصور جبل بنجد في ديار طيء وجبل بتهامة موصوف بكثرة السباع. والشرى موضع عند مكة

وأيضا هناك جبل شَرَوْرى الذي يقع شرقي تبوك. بالنسبة للجبل “الموصوف بكثرة السباع” الذي يقع في تهامة فهو قد يكون نفسه جبل الشراة النبطي، مع أنه لا دليل على ذلك لأن الكتاب القدامى تخبطوا في تحديد موقع هذا الجبل مما يدل على أنه مجهول.

جاء في لسان العرب:

والشَّرى: موضعٌ تُنْسب إليه الأُسْدُ، يقال للشُّجْعانِ: ما هُمْ إلا
أُسودُ الشَّرى؛ قال بعضهم: شَرى موضع بِعَيْنهِ تأَْوي إليه الأُسْدُ،
وقيل: هو شَرى الفُراتِ وناحِيَتهُ، وبه غِياضٌ وآجامٌ ومَأْسَدَةٌ؛ قال
الشاعر:
أُسودُ شَرىً لاقتْ أُسودَ خفِيَّةٍ.
والشَّرى: طريقٌ في سَلْمى كثير الأُسْدِ. والشَّراةُ: موضِع.

النبط كان لديهم إله مهم اسمه ذو الشرى (Dusares) وهو منسوب إلى جبلهم (الشرى = الشراة)، وهذا الإله كان لا يزال معبودا لدى بعض القبائل في زمن ظهور الإسلام كقبيلة دوس التي كانت تسكن إلى الجنوب من مكة.

جبل الشراة هو منطقة تكثر فيها العيون والأودية مقارنة بما حولها وفي زمن النبط ومن قبلهم كان الجبل أخصب مما هو عليه الآن. أودية الجبل تصب غربا نحو وادي عَرَبة وشرقا نحو بادية الشام في منطقة منخفضة تسمى الآن باسم “قاع الجَفر”.

الحد الشمالي لجبل الشراة هو وادي الحَسا الذي يفصله عن البلقاء، والحد الجنوبي هو وادي رَمّ الذي يفصله عن جبال حِسْمى، وإلى الغرب من الجبل يقع وادي عَرَبة، وهو واد كبير يفصل جبل الشراة عن صحراء النقب ويمتد من البحر الميت إلى خليج العقبة ويقع في نهايته ميناء العقبة (المعروف قديما باسم أيلة).

في العصر الإسلامي الباكر كان بعض الكتاب (كاليعقوبي وابن خرّداذبه) يميزون بين القسم الشمالي من جبل الشراة الذي كانوا يطلقون عليه اسم “كورة الجبال” (مركزها عَرَنْدَل) والقسم الجنوبي الذي كانوا يسمونه “كورة الشراة” (مركزها أَذْرُح). مثلا اليعقوبي عندما يعدد كور جند دمشق يقول:

وجبال: ومدينتها عرندل، وأهلها قوم من غسان، ومن بلقين وغيرهم… والشراة: ومدينتها أذرح، وأهلها موالي بني هاشم، وبها الحميمة منازل علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب وولده.

المسلمون في العصر الباكر كانوا يقسمون الشام إلى “أجناد”، وهي مناطق إدارية تعادل المقاطعات البيزنطية، وكانوا يقسمون كل جند إلى كُوَر (مفردها “كورة” وهي مأخوذة من الرومية χώρα)، وكانوا يقسمون كل كورة إلى رستاقات (مفردها رُستاق)، وهناك أيضا كلمة كانوا يستخدمونها هي الإقليم (من الرومية κλῆμα)، ومعنى الإقليم يختلف حسب كل كاتب فأحيانا يكون أكبر من الكورة وأحيانا أصغر منها. وبالنسبة لمراكز المناطق فكانوا أحيانا يسمونها بالقصبات (مفردها قَصَبة). هذه المعلومات مهمة لمن يقرأ قي معجم البلدان وغيره من الكتب القديمة.

القسم الشمالي من جبل الشراة (كورة الجبال) هي الموطن التاريخي للإداميين حسب رأي الباحثين، وهم يرون أن عاصمة الإداميين المعروفة في الكتاب المقدس اليهودي باسم سَلْع تقع بالقرب من مدينة الطفيلة.

أما القسم الجنوبي من جبل الشراة (كورة الشراة) فهو يحوي مدينة بطرا Petra عاصمة النبط، والتي تسمى في الإعلام باسم “البتراء” (أظن أنهم أخذوا هذا الاسم من ياقوت الحموي؟).

هناك في الكتب تخبط حول سلع وبطرا. بعض الكتب تقول أن مدينة بطرا النبطية هي نفسها سلع الإدامية، وهناك كتب أخرى تقول أن مدينة سلع الإدامية تقع قرب الطفيلة، أي أنها ليست نفسها بطرا النبطية.

كلمة (Pétra (Πέτρα اليونانية تعني “صخرة”، وهو نفس معنى كلمة سَلْع סֶּלַע‎ العبرية. ياقوت الحموي يقول في معجمه:

وسلع أيضا حصن بوادي موسى عليه السلام بقرب البيت المقدس

وادي موسى هو الوادي الذي يقع قرب بطرا، أي أنه يقول أن بطرا (البتراء) كانت تعرف باسم سلع.

ربما كانت هناك مدينتان في جبل الشراة تحملان نفس الاسم “سلع”، واحدة إدامية والثانية نبطية، أو ربما هناك خطأ ما حدث في العصور القديمة وأدى إلى الالتباس بين المدينتين.

السفر الرابع من التوراة اليهودية (الذي يتحدث عن جولة بني إسرائيل في صحراء سيناء) يقول أن بني إسرائيل حاولوا عبور أرض إدام Edom من صحراء النقب باتجاه الشرق ولكنهم فشلوا في ذلك بسبب خروج ملكها لهم “بشعب كبير ويد قوية”، فارتدوا على أعقابهم إلى جبل اسمه بالعبرية Hōr הֹר (هذا الاسم تعريبه إما هار أو هُرّ، ولا أدري ما هو الصحيح)، وعلى هذا الجبل الذي تصفه التوراة بأنه يقع “في طرف أرض إدام” مات أَهَران Aharōn (هارون) شقيق موسى ودفن. بما أن اسم الجبل شبيه باسم هارون فأنا سوف أفترض أن هناك رابطا بين الاسمين وسوف أكتب الاسم “هار”.

موقع جبل هار غير معروف لباحثي التوراة ولكن بما أنه يقع في طرف أرض إدام فهو يقع في منطقة جبل الشراة. هناك قمة قرب البتراء تسمى باسم “جبل النبي هارون”.

البلقاء

البَلْقاء هو اسم كان يطلقه العرب في العصر الإسلامي الباكر على كورة كبيرة ذات حدود متبدلة حسب الكاتب وحسب الزمن. كورة البلقاء كانت على ما يبدو تشمل المنطقة التي يسميها الكتاب المقدس اليهودي “عبر الأردن” עֵבֶר הַיַּרְדֵּן، وهي الهضبة الكلسية المتعرجة الممتدة على مسار الضفة الشرقية لنهر الأردن والبحر الميت (والتي يسميها الغربيون Transjordania، ومن هذه الكلمة التوراتية أتى اسم “إمارة شرق الأردن” التي أسسها البريطانيون في عام 1921 لعبد الله بن الحسين). بالإضافة إلى شرق الأردن يبدو أيضا أن كورة البلقاء كانت تضم مناطق في غرب الأردن كأريحا مثلا.


شرق الأردن في القرن التاسع قبل الميلاد بعد إنشاء الممالك اليهودية في كنعان


شرق الأردن حسب أسفار التوراة كان يحوي شعبين غير إسرائيليين هما مأب Moab وعَمّان Ammon، بالإضافة إلى إدام الذين كانوا يعيشون جنوبا. اسم مآب كان معروفا عند الكتاب المسلمين واليعقوبي مثلا ذكر أن مآب هي كورة تابعة لدمشق. كورة مآب كانت على ما يبدو تمتد شرق البحر الميت من وادي الحسا إلى وادي الموجب (أو إلى الشمال منه قليلا)، ومدينتها زغر وفيها تقع مُؤْتة (قرب الكرك حاليا)، وهذه نفسها هي أرض مأب التوراتية. أما عمّان فاليعقوبي يسميها كورة الظاهر (ومدينتها عمّان)، وهذه الكورة أيضا تطابق أرض عمّان التوراتية. إلى الغرب من كورة الظاهر اليعقوبي يذكر كورة الغور ومدينتها ريحا. وإلى الشمال من هاتين الكورتين يذكر كورتي جرش وفحل التابعتين لجند الأردن (الذي عاصمته طبرية).

اليعقوبي بعد أن ذكر كورتي الظاهر والغور قال “وهاتان المدينتان أرض البلقاء”. إذن هو يقول أن البلقاء هي المنطقة الممتدة بين وادي الزرقاء شمالا ووادي الموجب جنوبا. هذا التعريف يختلف كثيرا عن تعريف ياقوت الحموي الذي يقول:

البلقاء: كورة من أعمال دمشق بين الشام ووادي القرى، قصبتها عمان وفيها قرى كثيرة ومزارع واسعة وبجودة حنطتها يضرب المثل… وبالبلقاء: مدينة الشراة شراة الشام أرض معروفة وبها الكهف والرقيم، فيما زعم بعضهم.

ياقوت يقول أن البلقاء تمتد حتى وادى القرى في عمق الحجاز، وهو يؤكد قوله هذا حينما يصرح بأن الشراة تقع في البلقاء.

في ترجمة مآب ياقوت يقول:

مآب: بعد الهمزة المفتوحة ألف وباء موحدة بوزن معاب… وهي مدينة في طرف الشام من نواحي البلقاء. قال أحمد بن محمد بن جابر: توجه أبو عبيدة بن الجراح في خلافة أبي بكر في سنة 13 بعد فتح بصرى بالشام إلى مآب من أرض البلقاء، وبها جمع العدو فافتتحها على مثل صلح بصرى…

إذن مفهوم ياقوت للبلقاء أوسع بكثير من مفهوم اليعقوبي الذي عاش قبل ياقوت بحوالي أربعة قرون، لأن ياقوت يقول أن مآب والشراة هي من البلقاء. أيضا أبو الفداء لديه نفس مفهوم ياقوت للبلقاء.

بالنسبة لأصل كلمة البلقاء فهو كما يقول ياقوت:

وأما اشتقاقها، فهي من البلق، وهي سواد وبياض مختلطان، ولذلك قيل: أبلق وبلقاء.

وأما الراوية التي ذكرها ياقوت وغيره والتي تقول أن البلقاء سميت نسبة إلى “بالق من بني عمان بن لوط” فهذه طبعا خرافة.

البلقاء بالتعريف الضيق هي ليست جزءا من الجزيرة العربية. منطقة شرق الأردن الممتدة من نهر اليرموك شمالا إلى وادي الحسا جنوبا كانت تعتبر عند اليونانيين جزءا من سورية، ونفس الأمر استمر في زمن الرومان والبيزنطيين.

أما جبل الشراة فهو حسب علمي ليس جزءا من منطقة “عبر الأردن” التوراتية وليس جزءا من فلسطين، إذن هو في الأصل من بلاد العرب، وهو في الحقيقة أساس المنطقة التي سماها اليونانيون والرومان باسم “عربية الصخرية”، والمصادر القديمة كلها تصرح بأن سكان هذا الجبل هم من العرب (النبط والإداميون وصفوا صراحة بأنهم عرب في المصادر القديمة). بعض الناس يقولون أن مفهوم العرب في العصور القديمة كان يعني البدو عموما، وبالتالي ليس كل من وصفوا بأنهم عرب هم عرب فعلا. هذا الكلام صحيح ولكنه لا يغير من الأمر شيئا لأن هذه المناطق كان يسكنها ناس يعرفون بالعرب سواء كان هؤلاء يتحدثون اللغة العربية أم لا. لو كنا سنعتمد اللغة كمعيار فهذا يعني أن اليمن أيضا لم تكن من جزيرة العرب لأن اليمن لم تتعرب لغويا إلا قبل الإسلام بفترة قصيرة.

عربة وتيه بني إسرائيل

عَرَبة هو اسم لواد كبير يمتد بين البحر الميت وخليج العقبة، وهو يعرف أيضا باسم “وادي الجيب” على ما أعتقد، وفي نهاية هذا الوادى يقع مرفأ العقبة الذي كان يعرف سابقا بأيلة، وهو مرفأ أساسي للنبط والإداميين من قبلهم. أيضا الصهاينة قاموا في خمسينات القرن العشرين ببناء مرفأ جديد قريب من العقبة سموه “إيلات”، وهذا المرفأ أقيم في موقع مرفأ أثري مذكور في التوراة هو عِصْيان جَبْر עֶצְיֹנ גָּבֶר (في الترجمة الإنكليزية للكتاب اليهودي: Etzion Geber).

إلى الغرب من وادي عربة تمتد صحراء النقب. النَقَب هي كلمة عبرية لم تكن معروفة لدى الكتاب العرب القدماء، وهي تعني “الجفاف”. صحراء النقب نفسها هي مفهوم حديث ظهر في القرن 19 بعد رسم الحدود الحالية بين مصر وفلسطين (بين بريطانيا والسلطنة العثمانية)، وقبل رسم هذه الحدود لم يكن هناك شيء اسمه صحراء النقب وكانت صحراء النقب الحالية جزءا من الصحراء الكبيرة المعروفة لدى الكتاب العرب القدماء باسم تِيه بني إسرائيل أو التِيه.

مسمى “تيه بني إسرائيل” مأخوذ من القرآن أو من أسفار اليهود، وما يلي تعريف التيه حسب ياقوت:

التيه: الهاء خالصة وهو الموضع الذي ضل فيه موسى بن عمران وقومه وهي أرض بين أيلة ومصر وبحر القلزم وجبال السراة ((هاني: يقصد الشراة؟)) من أرض الشام… والغالب على أرض التيه الرمال وفيها مواضع صلبة وبها نخيل وعيون مفترشة قليلة يتصل حد من حدودها بالجفار وحد بجبل طور سينا وحد بأرض بيت المقدس وما اتصل به من فلسطين وحد ينتهي إلى مفازة في ظهر ريف مصر إلى حد القلزم…

إذن المقصود بالتيه هو صحراء كبيرة تشغل معظم شبه جزيرة سيناء. التيه حسب هذا التعريف يمتد من الشراة شرقا إلى “مفازة ريف مصر” غربا (مَفازة = صحراء)، ومن أرض بيت المقدس (أي جند فلسطين) والجِفار شمالا إلى أيلة وطُور سيناء جنوبا.

المقصود بالجفار عند الكتاب المسلمين هو الساحل الشمالي لشبه جزيرة سيناء الذي ينتقل الناس عبره من فلسطين إلى مصر. ما يلي تعريف الجفار حسب ياقوت:

الجفار: بالكسر وهو جمع جفر نحو فرخ وفراخ والجفر البئر القريبة القعر الواسعة لم تطو، وقال أبو نصر بن حماد: الجفرة سعة في الأرض مستديرة والجمع جفار مثل برمة وبرام… والجفار أيضا أرض من مسيرة سبعة أيام بين فلسطين ومصر، أولها رفح من جهة الشام وآخرها الخشبي، متصلة برمال تيه بني إسرائيل وهي كلها رمال سائلة بيض في غربيها منعطف نحو الشمال بحر الشام وفي شرقيها منعطف نحو الجنوب بحر القلزم، وسميت الجفار لكثرة الجفار بأرضها ولا شرب لسكانها إلا منها رأيتها مرارا، ويزعمون أنها كانت كورة جليلة في أيام الفراعنة إلى المائة الرابعة من الهجرة فيها قرى ومزارع فأما الآن ففيها نخل كثير ورطب طيب جيد وهو ملك لقوم متفرقين في قرى مصر يأتونه أيام لقاحه فيلقحونه وأيام إدراكه فيجتنونه وينزلون بينه بأهاليهم في بيوت من سعف النخل والحلفاء، وفي الجادة السابلة إلى مصر عدة مواضع عامرة يسكنها قوم من السوقة للمعيشة على القوافل وهي رفح والقس والزعقا والعريش والورادة وقطية في كل موضع من هذه المواضع عدة دكاكين يشترى منها كل مايحتاج المسافر إليه.

إذن الجفار تبدأ من رفح (التي هي من فلسطين) وتنتهي عند الخشبي، وأنا لا أعلم مكان الخشبي بالضبط ولكنها تقع حاليا عند الحد الغربي لمحافظة شمال سيناء المصرية (يقول ياقوت الحموي في مادة “خُرّ”: وفي طريق ديار مصر في الرمل منزل يقال له الخر دون الأعراس وبعده أبو عروق ثم الخشبي ثم العباسية ثم بلبيس ثم القاهرة).

يقول الهمداني في كتابه “صفة جزيرة العرب”:

والجفار رمال إلى حد الفَرما وما خلف الفرما إلى مصر للقبط.

يقصد ربما أن الفرما هي آخر مدينة يسكنها العرب وما بعدها يسكنه القبط. مدينة الفرما كانت في زمن ياقوت الحموي خَرِبة ومدفونة تحت الرمل ولذلك فهو لم يذكرها على طريق مصر كما فعل الهمداني (الذي عاش قبل ياقوت بحوالي ثلاثة قرون). الفرما هي Pelousion بالرومية وفي زمن الفتح الإسلامي كانت تسكنها قبيلة جذام، ولكن هذا لا يعني أنه لم يكن يوجد فيها قبط حيث أن ياقوت نقل عن الحسن بن محمد المهلبي ما يلي:

وأما الفرما فحصن على ضفة البحر لطيف لكنه فاسد الهواء وخمه لأنه من كل جهة حوله سباخ تتوحل فلا تكاد تنضب صيفا ولا شتاء، وليس بها زرع ولا ماء يشرب إلا ماء المطر فإنه يخزن في الجباب ويخزنون أيضا ماء النيل يحمل إليهم في المراكب من تنيس، وبظاهرها في الرمل ماء يقال له: العذيب ومياه غيره في آبار بعيدة الرشاء وملحة تنزل عليها القوافل والعساكر، وأهلها نحاف الأجسام متغيرو الألوان وهم من القبط وبعضهم من العرب من بني جرى وسائر جذام، وأكثر متاجرهم في النوى والشعير والعلف لكثرة اجتياز القوافل بهم، ولهم بظاهر مدينتهم نخل كثير له رطب فائق وتمر حسن يجهز إلى كل بلد.

هو يقول أن أهلها “من القبط وبعضهم من العرب من بني جرى وسائر جذام”، أي أن سكانها كانوا من القبط والعرب، وأما عبارة “نحاف الأجسام متغيروا الألوان” فهو يقصد بها على ما أعتقد التباين في البنية الجسمية ولون البشرة بين القبط والعرب.

مدينة الفرما هي حاليا بقايا أثرية تم الكشف عنها قرب الحدود بين محافظتي شمال سيناء وبور سعيد، وهذا يعني باختصار أن الحد الغربي لتيه بني إسرائيل هو تقريبا الحد الغربي لمحافظة شمال سيناء حاليا، وما بعد هذا الحد هو “ريف مصر” كما سماه الكتاب المسلمون.

الحد الغربي لتيه بني إسرائيل هو طبعا مجرد حد جغرافي وليس الحد السياسي بين مصر وفلسطين. الحد السياسي بين مصر وفلسطين في العصر الإسلامي الباكر كان هو نفسه الحد الروماني القديم، أي الخط الممتد بين العريش Rhinokorura والقُلْزُم Clysma.

خريطة تبين الحد الفاصل بين مقاطعتي مصر وعربية الصخرية الرومانيتين، وهذا الحد ظل هو نفسه حتى الفتح الإسلامي في القرن السابع. الخريطة تبين أيضا الحد الفاصل بين فلسطين وعربية الصخرية


العريش كانت تابعة لمصر وكان سكانها عندما فتحها عمرو بن العاص من جذام، والحد الفاصل بين مصر وفلسطين كان تحديدا نقطة تقع قبل العريش يسميها الكتاب المسلمون باسم “الشجرة” أو “الشجرتين”. يقول اليعقوبي:

ومن خرج من فلسطين مغربا يريد مصر خرج من الرملة إلى مدينة يبنا ثم إلى مدينة عسقلان، وهي على ساحل البحر، ثم إلى مدينة غزة وهي على الساحل أيضا، ثم إلى رفح وهي آخر أعمال الشأم، ثم إلى موضع يقال له الشجرتين وهي أول حد مصر، ثم إلى العريش وهي أول مصالح مصر وأعمالها.

أما القلزم فهي ميناء مهم كان يقع بجوار مدينة السويس الحالية وكان يمثل النهاية الشمالية لبحر القلزم (البحر الأحمر)، وبجوار هذا الميناء كانت هناك قناة ملاحية هامة تربط البحر الأحمر بنهر النيل وهذه القناة ظلت مفتوحة وصالحة للملاحة حتى عهد أبو جعفر المنصور العباسي في القرن الثامن. بعد انسداد القناة خربت القلزم وظهرت بدلا منها بشكل تدريجي مدينة السويس الحالية.

طبعا في العصور المتأخرة بدأت الحدود تتغير. أحد الكتاب المسلمين المتأخرين اعتبر العريش من الشام، وهناك كاتب آخر اعتبر طور سيناء من مصر. في معاهدة لندن التي وقعت في عام 1840 اعتبرت سيناء بأكملها من “جنوب سورية”، ولكن بريطانيا أجبرت العثمانيين بعد ذلك على التخلي عنها لمصر (التي كانت تحت هيمنة بريطانيا) وذلك لكي يبقى العثمانيون بعيدين عن قناة السويس، وهذا هو أصل الحدود الحالية بين مصر وفلسطين (وهو أيضا أصل مفهوم “صحراء النقب” التي ظهرت بعد رسم الحدود الحالية).

إلى الجنوب من تيه بني إسرائيل تقع أيلة وطور سيناء. طور سيناء أو الطور هو منطقة المرتفعات التي تقع في جنوب شبه جزيرة سيناء، والتسمية طبعا هي من مصدر توراتي.


بعض المواضع التوراتية في تيه بني إسرائيل


تيه بني إسرائيل (بمعناه الكامل الذي يشمل صحراء النقب) هو ربما أكثر صحاري العالم التي نالت اهتمام الباحثين والدارسين التاريخيين، والسبب هو أن هذا التيه هو المنطقة التي ورد ذكرها في الكتاب المقدس اليهودي على أنها المنطقة التي كان بنوا إسرائيل يعيشون فيها قبل أن يجتاحوا كنعان (فلسطين) من جهة الشرق في نهاية الألفية الثانية قبل الميلاد. الكتاب اليهودي يذكر عموما أسماء الكثير من المواضع القديمة في منطقة الشرق الأوسط وخلال القرن العشرين تعرف الباحثون والمنقبون على العديد من هذه المواضع، ولكن المواضع التي يذكرها الكتاب اليهودي على أنها في تيه بني إسرائيل هي بالذات صعبة التحديد ورغم السعي الحثيث من الباحثين والمنقبين لإيجادها فإن معظمها ما يزال مجهولا وغير معروف ويقتصر تحديده على التخرص والتكهن.

أشهر المواضع التوراتية في التيه هو جبل سيناء (اسمه بالعبرية القديمة سِينَي סִינָי، أي سِينَى بالعربية، وفي الترجمة الإنكليزية للكتاب اليهودي: Sinai) ويسمى أيضا جبل حارِِِِِِِِِِِِِِب חֹרֵב (Horeb)، وجبل إلاهيم (أي جبل الله mount of God). هذا الجبل ورد ذكره في الكتاب اليهودي عشرات المرات وهو المكان الذي تدور فيه معظم الأحداث الدينية المهمة خلال فترة وجود بني إسرائيل في التيه.

التوراة تقول أن جبل سيناء\حارب هو المكان الذي تحدث فيه موسى مع الله لأول مرة:


1.وكان موسى يرعى غنَمَ يَتْرا حَمِيهِ كاهنِ مَدْيَنَ، فساقَ الغنَمَ إلى ما وراءَ البَرِّيةِ حتَّى وصَل إلى جبَلِ اللهِ حارِب.
2.فتَراءى لَه مَلاكُ يهوه في َلهيبِ نارٍ مِنْ وسَطِ الشُجَيرةِ. ورأى موسى الشُجَيرةَ تتوقَّدُ بالنَّارِ وهيَ لا تحتَرِقُ.
3.فقال في نفسه: “أَمِيلُ وأنظرُ هذا اَلمشهدَ العظيمَ. ما بال الشُجَيرةِ لا تحترقُ؟”
4.ورَأى يهوه أنّهُ مالَ ليَنظُرَ، فناداهُ مِنْ وسَطِ الشُجَيرةِ: “مُوسى، مُوسى”. فقالَ: “نعم”.
5.قالَ: “لا تقتَرِبْ إلى هُنا. إخَلعْ حِذاءكَ مِنْ رِجَليكَ، لأنَّ المَوضِعَ اّلذي أنتَ واقِفٌ علَيهِ أرضٌ مَُقدَّسَةٌ”.
6.وقالَ: “أنا إلهُ آبائِكَ. إلهُ إبراهيمَ وإسحَقَ ويعقوبَ”. فستَرَ موسى وجهَهُ خَوفًا مِنْ أنْ يَنظُرَ إلى اللهِ.

وبعد هذه المقابلة الأولى بين موسى والله على جبل سيناء\حارب تحول هذا الجبل فيما بعد إلى مركز دائم للتواصل بين الله وبني إسرائيل عبر موسى، وحسب التوراة فإن الدين اليهودي نشأ بالكامل على هذا الجبل فهو المكان الذي أنزل الله فيه على موسى اللوحين الحجريين اللذين يحويان “الوصايا العشرة” وأمره بصنع صندوق (أَراك ark) يضعهما فيه، وأمره بصنع مائدة ومنارة ومذبح إلخ (كل مكونات المعبد اليهودي)، وأنزل عليه تفاصيل الشريعة وأمره بتنصيب أخيه هارون وبنيه ككهان، وفي النهاية أمره ببناء خيمة كبيرة يضع فيها “صندوق العهد” Ark of the Covenant (الذي يحوي اللوحين) وبقية الأمور التي صنعها كالمذبح وغيره، وبعد ذلك تحولت هذه الخيمة إلى جبل سيناء متنقل حيث أن الله صار يكلم موسى منها بدلا من الجبل وصارت هي المعبد اليهودي الذي تقدم إليه القرابين والذبائح ويشرف عليه الكهان، وظهرت فوق هذه الخيمة سحابة ربانية تقود بني إسرائيل إلى المكان الذي يجب أن يضعوا الخيمة فيه، وهذه السحابة ظلت تحرك بني إسرائيل في البادية من موضع إلى موضع حتى أوصلتهم في النهاية إلى أرض كنعان التي كان الله قد وعد بها بني إسرائيل عبر موسى استجابة للعهد القديم الذي قطعه مع جدهم إبراهيم.

موقع جبل سيناء المذكور في التوراة غير معروف للباحثين. في العصور القديمة كان أغلب الناس يعتقدون (بناء على مقولة للمؤرخ اليهودي يوسف الذي عاش في القرن الميلادي الأول) أن جبل سيناء هو أعلى نقطة في شبه جزيرة سيناء، أي الطور الذي يقع في جنوب شبه جزيرة سيناء والذي بنى عليه المسيحيون في القرن السادس ديرا باسم دير القديسة كاترين، ولكن كثيرا من الباحثين المعاصرين يرون أن جبل كاترين ليس هو جبل سيناء المقصود في التوراة ويرون أن الجبل المقصود يقع شمالا قرب صحراء النقب، ولكنهم اختلفوا في تحديد موقعه بالضبط وطرحوا فيه آراء عديدة متباينة هي أقرب للتخرصات. الشيء الوحيد الذي يتفق عليه معظمهم هو أن جبل سيناء التوراتي يقع في المنطقة الجنوبية الشرقية من تيه بني إسرائيل قرب خليج العقبة.

بعض المواقع التي اقترح الباحثون أنها جبل سيناء التوراتي. هناك أيضا اقتراحات أخرى ولكنني لم أضعها على الخريطة إما لأنني لا أعرف مكانها على الخريطة أو لأنها لا تظهر عليها. مثلا هناك باحثون اقترحوا جبالا في الحجاز على أنها جبل سيناء، وهناك حتى من قال بأن جبل سيناء التوراتي يقع في الجيزة في مصر. النقاط الحمراء تقع في المنطقة التي تعرف تقليديا باسم جبل سيناء أو طور سيناء (النقاط تمثل جبل كاترين وجبل موسى ورأس الصفصاف)


أكثر ما يلفت انتباه الباحثين المعاصرين هو وصف جبل سيناء في التوراة والذي يظهره على أنه بركان. ما يلي مقطع مأخوذ من السفر الثاني من التوراة (نفس السفر الذي أخذ منه المقطع السابق) وفيه قصة صعود موسى إلى جبل سيناء لكي يتلقى “الوصايا العشرة”:


1.وفي الشَّهرِ الثَّالثِ لخُروجِ بَني إِسرائيل منْ أرضِ مِصْرَ جاؤوا في أحدِ الأَيَّامِ إلى بَرِّيَةِ سيناءَ.
2.جاؤوا منْ رَفِيدِيمَ ونزَلوا هُناكَ في البَرِّيَةِ تجاهَ الجبَلِ.
3.وصعدَ موسى إلى الجبَلِ ُلملاقاةِ اللهِ. فناداهُ يهوه مِنَ الجبَلِ وقالَ لهُ: “قُلْ لبَيتِ يعقوبَ بَني إِسرائيلَ :
4.رأيتُم ما فعلْتُ بالمِصْريِّينَ وكيفَ حَمَلتُكم على أجنِحَةِ النُّسورِ وجِئتُ بِكُم إليَّ.
5.والآنَ إنْ سمِعْتُم كلاميَ وحَفِظتُم عَهْديَ، فإنَّكم تكونونَ شعبيَ الخاصَّ بَينَ جميعِ الشُّعوبِ.”

16.وحدَثَ في اليومِ الثَّالِثِ عِندَ الصَّباحِ أنْ كانَت رُعودٌ وبُروقٌ وسَحابٌ كثيفٌ على جبَلِ سيناءَ، وصوتُ بوقٍ شديدٌ جِدَّا، فارْتَعدَ جميعُ اّلذينَ في المُخيَّمِ.
17.فأخرَجَهُم موسى مِنَ المُخيَّمِ لِمُلاقاةِ اللهِ، فوَقفوا عندَ أسَفلِ الجبَلِ.
18.والجبَلُ يُلفُّهُ دُخانٌ، لأنَّ يهوه نَزل علَيهِ بالنَّارِ، فتصاعدَ دُخانُهُ كدُخانِ الأَتونِ واهتَزَّ الجبَلُ اهتِزَازًا شديدًا.
19.وكانَ صوتُ البوقِ يرتَفِعُ جِدًّا وموسى يتكلّمُ واللهُ يُجيبُهُ بقصفِ الرَّعْدِ.
20.ونَزلَ يهوه على رأسِ جبَلِ سيناءَ ونادى موسى إلى رأسِ الجبَلِ فصَعدَ.
21.فقالَ يهوه لموسى: “انزِل إلى الشَّعبِ وأنذِرْهُم أنْ لا يُجاوِزوا الحَدَّ المَرسومَ حَولَ الجبَلِ ليَنظروا إليَّ فيَهلِكَ مِنهُم كثيرونَ”.
22.وقُل للكهَنةِ الذينَ يتَقَدَّمونَ إليَّ أنْ يَتَطهَّروا لِئلاَّ أبطِشَ بِهِم”.

هذا الوصف لجبل سيناء يوحي لكثير من الباحثين بأنه يقع قرب الفالق الجيولوجي. هناك من قالوا بأنه يقع في جبال الشراة قرب مدينة البتراء، وهناك من قالوا بأنه يقع جنوبا في الحجاز قرب مدين. مثلا الجبل الحجازي التالي (المعروف باسم “حلا البدر”) هو من المواقع المفضلة عند عدد من الباحثين لأنه عبارة عن بركان قديم هائل (وهو يقع في قلب المنطقة التي كانت تسكنها قبيلة ثمود قديما)، ولكن مشكلة هذا الجبل في رأيي هي أنه بعيد نسبيا عن تيه بني إسرائيل. من الممكن أن جبل سيناء هو بركان آخر يقع إلى الشمال من هذا البركان. منطقة شمال الحجاز والشراة هي منطقة غنية بالبراكين القديمة وهذا ليس هو البركان الوحيد هناك على ما أعتقد.

“حلا البدر”


من يقرأ التوراة جيدا يجد ترابطا واضحا بين منطقتي سيناء ومدين. موسى زار جبل سيناء مرتين: المرة الأولى عندما كان في مدين هاربا من مصر، والمرة الثانية عندما عاد إلى الجبل مع بني إسرائيل. في المرة الأولى موسى وصل إلى جبل سيناء بالصدفة بينما كان يرعى الغنم في مدين، وفي المرة الثانية التوراة تقول أن كاهن مدين عندما سمع بوجود موسى في جبل سيناء جاء إليه ليزوره. هذه الأمور تدل على أن جبل سيناء قريب جدا من مدين وفي أطرافها، أي أنه في شمال الحجاز أو منطقة جنوب الشراة.

كلمة “حارب” العبرية تعني “حارّ”، وهذا دليل آخر على أن جبل سيناء هو بركان.

بعد أن أنهى بنوا إسرائيل صنع الخيمة المقدسة في جبل سيناء تحركت السحابة الربانية من فوق الخيمة وقادتهم شمالا نحو موضع قريب من كنعان هو الموضع المسمى قَدِس بَرْنِع קָדֵשׁ בַּרְנֵעַ (في الترجمة الإنكليزية: Kadeshbarnea). هذا الموضع هو من المواضع المهمة في التوراة وهو يقع كما تقول التوراة في بَرِّيَة صِن מִדְבַּר צִן (wilderness of Zin) التي يرى الباحثون أنها كانت القسم الشمالي الشرقي من تيه بني إسرائيل الذي يتصل بفلسطين (أو أرض بيت المقدس كما سماها ياقوت). أيضا التوراة تقول أن قدس (برنع) تقع في بَرِّيَة فَأرَن מִדְבַּר פָּארָן (wilderness of Paran)، والمقصود ببرية فأرن على ما يبدو هو القسم الجنوبي الشرقي من التيه، وبهذا فإن قدس برنع تكون واقعة بين برية صن شمالا وبرية فأرن جنوبا. كثير من الباحثين يرون أن قدس برنع هي حاليا عين القديرات في سيناء قرب حدود فلسطين.

قدس برنع هو المكان الذي توفيت فيه مريم شقيقة موسى، وهو أحد المواضع التي ضرب فيها موسى الحجر بالعصا فتفجر منه الماء، وهو أيضا الموضع الذي أرسل منه موسى الجواسيس الاثني عشر للتجسس على أرض كنعان:


1.وكلَّمَ يهوه موسى فقالَ:
2.”تُرسِلُ رِجالاً يتَجَسَّسونَ أرضَ كَنعانَ التي أعطَيتُها لبَني إِسرائيلَ. تُرسِلُهُم رَجُلا واحدا مِنْ كُُلِّ سِبْطٍ ويكونونَ كُُلُّهم رُؤساءَ أسباطِهِم.”
3.فأرسَلَهُم موسى مِنْ بَرِّيَةِ فَأْرَنَ، كما قالَ يهوه كلُّهم مِنْ رُؤساءِ أسباطِ بَني إِسرائيلَ.

17.وأرسَلَهُم موسى ليَتَجَسَّسوا أرضَ كَنعانَ وقالَ لهم: “تَطلَعونَ مِنْ هُناكَ مِنْ جَنوبي أرضِ كَنعانَ، وتصعَدونَ الجبَلَ
18.وتنظُرونَ إلى الأرضِ كيفَ هيَ، وإلى الشَّعبِ المُقيمِ بِها أشَديدٌ هوَ أم ضعيفٌ؟ أقليلٌ أم كثيرٌ؟
19.وكيفَ الأرضُ التي هوَ مُقيمٌ بِها، أجَيِّدةٌ هيَ أم رَديئةٌ؟ وما المُدُنُ، أخيامٌ أم حُصونٌ؟
20.وكيفَ الأرضُ، أمُخْصِبةٌ هيَ أم عقيمةٌ؟ أفيها شجَرٌ أم لا؟ وتَشجَّعوا وخُذوا مِنْ ثَمَرِها.” وكانَت في ذلِكَ الوقتِ أيّامُ بَواكيرِ العِنبِ.
21.فصَعدوا وتجَسَّسُوا الأرضَ مِنْ بَرِّيَةِ صِنَّ إلى رَحابَ عِندَ مدخلِ حَماةَ.

25.ورَجَعوا مِنْ تَجسُّسِ الأرضِ بَعدَ أربَعينَ يوما،
26.وساروا حتَّى جاؤوا إلى موسى وهارونَ وكُلِّ جماعةِ بَني إِسرائيلَ في بَرِّيَةِ فَأْرَنَ، في قَدِسَ، ورَدُّوا خبَرا علَيهِم وأرَوهُم ثمَرَ الأرضِ.

برية فأرن هي أيضا المكان الذي عاش فيه إسماعيل بن إبراهيم بعد أن طردت سارة زوجة إبراهيم هاجر المصرية أم إسماعيل، وطبعا هذا حسب السفر الأول من التوراة:


9.ورأت سارةُ ابنَ هاجرَ المِصْريَّةِ الّذي ولَدتْهُ لإبراهيمَ يلعبُ مع ابنِها إسحَقَ،
10.فقالت لإبراهيمَ: “أُطردْ هذِهِ الجاريةَ وابنَها فابنُ هذِهِ الجاريةِ لا يَرِثُ معَ ابني إسحَقَ”.
11.وساءَ إبراهيمَ هذا الكلامُ، لأنَّ إسماعيلَ كانَ أيضاً ابنَه.
12.فقالَ لَه اللهُ: “لا يَسوؤُكَ هذا الكلامُ على الصَّبيِّ وعلى جاريتِكَ. اسمعْ لكُلِّ ما تقولُهُ لكَ سارةُ، لأنَّ بإسحَقَ يكونُ لكَ نسلٌ،
13.وابنُ الجاريةِ أيضاً أجعلُهُ أُمَّةً لأنَّهُ مِنْ صُلبِكَ”.
14.فبكَّرَ إبراهيمُ في الغدِ وأخذَ خُبزاً وقِربةَ ماءٍ، فأعطاهُما لهاجرَ ووضَعَ الصَّبيَّ على كتِفِها وصَرَفَها، فمضَت تَهيمُ على وجهِها في بَرِّيَةِ بئرِ سَبْع.
15.ونفدَ الماءُ مِنَ القِربةِ، فألقت هاجرُ الصَّبيَّ تَحتَ إحدى الأشجارِ.
16.ومضَت فجلسَت قُبَالتَهُ على بُعْدِ رميَتَي قوسٍ وهيَ تقولُ في نفْسِها: “لا أُريدُ أنْ أرى الولدَ يموت”. وفيما هيَ جالسةٌ رفعت صوتَها بالبُكاءِ.
17.وسَمِعَ اللهُ صوتَ الصَّبيِّ، فنادى ملاكُ اللهِ هاجرَ مِنَ السَّماءِ وقالَ لها: “ما لكِ يا هاجرُ؟ لا تخافي. سَمِعَ اللهُ صوتَ الصَّبيِّ حَيثُ هوَ.
18.قُومي احملي الصَّبيَّ وخُذي بيدهِ، فسأجعَلُهُ أمَّةً عظيمةً”.
19.وفتحَ اللهُ بصيرتَها فرأت بئرَ ماءٍ، فمضَت إلى البئرِ وملأتِ القِربةَ ماءً وسقتِ الصَّبيَّ.
20.وكانَ اللهُ معَ الصَّبيِّ فكبُرَ، وأقامَ بالبَرِّيَةِ، وكان رامياً بالقوسِ.
21.وأقامَ بِبَرِّيَةِ فَأْرَنَ، وزوَّجَتْهُ أمُّهُ بامرأةٍ مِنْ أرضِ مِصْرَ.

أحيانا في التوراة يبدو وكأن برية فأرن لها معنى يغطي برية سيناء، وبالتالي يبدو أن برية فأرن كان لها معنيان: معنى خاص هو الذي ذكرته سابقا ومعنى عام يتجاوز المعنى الخاص ممتدا إلى الصحاري الجنوبية. لهذا السبب ربما نجد أن جبل سيناء سمي في بعض مقاطع التوراة باسم “جبل فأرن”.

مثلا موسى قال قبل وفاته لبني إسرائيل:

“أقبَلَ يهوه مِنْ سِينَاءَ، وأشرَقَ لهُم مِنْ جبَلِ شَعِيرَ، وتَجلَّى مِنْ جبَلِ فَأْرَنَ، وأَتَى من رُبَى قُدْس وعن يمينه نارٌ مشتعلةٌ لَهُم”.

وفي نشيد النبي حَبَقُوق:

اللهُ مِن تَيْمَنَ يَجِيءُ، وقَدَاسَةٌ مِن جَبَلِ فَأْرَنَ، غطَّى جَلالُهُ السَّماواتِ، وامْتَلأتِ الأرضُ مِنَ التَّهَلُّلِ لَه.

بعض دارسي الكتاب اليهودي يقولون أن هذه الأبيات فيها نوع من الترادف المألوف في الأدب العبري، بمعنى أن جبل فأرن وربى قدس في كلام موسى هما مرادف لجبل سيناء وكناية عنه، وتيمن في كلام حبقوق مرادف لفأرن، والمقصود بتيمن (Teman) هو منطقة تقع في جنوب بلاد الإداميين (أي القسم الجنوبي من جبل الشراة)، وكلمة تيمن مشتقة من الجذر يمن وهي مرادفة لكمة يَمَن العربية التي تعني الجنوب. أي أن حبقوق باستخدامه لكلمتي تيمن وفأرن يشير نحو الجنوب ويقول أن الله أتى من هناك، أي أنه يقصد جبل سيناء ولكنه لا يصرح باسمه كنوع من الأسلوب الأدبي.

إذن خلاصة ما سبق هي أن فأرن من الممكن أن تستخدم بمعنى مجازي يشمل المناطق التي تقع إلى الجنوب منها، ونفس الأمر ينطبق على تيمن التي قصد منها حبقوق منطقة أخرى مجاورة لها هي سيناء.

أما بالنسبة لجبل شَعِيْر שֵׂעִיר (Seir) فهو جبل يتكرر ذكره في التوراة وهو مثل جبل سيناء مجهول المكان ولكن التوراة تقول أنه يقع في برية فأرن في وسط الطريق بين جبل حارب وقدس برنع، إذن استخدام موسى له في الكلام المنقول في الأعلى هو مثل استخدامه لكلمة فأرن، أي أنه يكني به عن جبل سيناء.

إذا اعتمدنا نظرية أن جبل سيناء هو في الحجاز فهذا يوحي بإمكانية أن يكون جبل شعير واقعا في جبال الشراة، أو ربما يكون حتى هو نفسه جبال الشراة.

بعد أن رجع الجواسيس الاثنا عشر من كنعان قالوا لقومهم ما يلي:


27…. ذهَبْنا إلى الأرضِ الّتي أرسَلْتَنا إليها، فإذا هيَ بالحقيقةِ تَدُرُّ لَبَنا وعسَلا، وهذا ثمَرُها،
28.غَيرَ أنَّ الشَّعبَ السَّاكنينَ فيها أقوياءُ والمُدُنَ حصينةٌ عظيمةٌ جِدَّا، ورَأينا هُناكَ بَني عَنَقَ.
29. عَمَالِيقُ مُقيمونَ بأرضِ الجنوبِ، والحِتِّيونَ واليَبُوسِيُّونَ والأَمُورِيُّونَ مُقيمونَ بِالجبَلِ، والكنعانيُّونَ مُقيمونَ عِندَ البحرِ وعلى مَجرى الأُردُنِّ.
31…. لا نَقدِرُ أنْ نصعَدَ إلى هُناكَ لأنَّ القَومَ أقوى مِنَّا.
32…. الأرضُ الّتي مَرَرْنا فيها لِنَتَجَسَّسَها هيَ أرضٌ تأكُلُ أهلَها، وجميعُ الشَّعبِ الّذينَ رَأيناهُم فيها أُناسٌ طِوالُ القاماتِ.
33. وشاهَدْنا هُناكَ مِنَ الجَبابرةِ جَبابرةَ بَني عَنَقَ، فَصِرْنا في نظَرِنا صِغارا كالجَرادِ، وكذلِكَ في نظَرِهِم.

لهذا السبب أحجم بنوا إسرائيل عن دخول كنعان من جهة الجنوب، فغضب الله عليهم وعندما ندموا وحاولوا دخولها هزمهم أموريوا الجبل فعادوا أدراجهم إلى قدس. بعد ذلك حاولوا التوجه شرقا عبر أرض إدام ولكنهم هزموا أيضا على يد الإداميين فعادوا إلى جبل هار (الذي يقع “في طرف أرض إدام”) حيث مات هارون ودفن، ثم ساروا جنوبا “على طريق البحر الأحمر ليدوروا من حول أرض إدام”، أي أنهم توجهوا جنوبا لكي يدوروا من حول جبل الشراة باتجاه شرق الأردن.

السفر الرابع من التوراة يصف موضوع الدوران كما يلي:

ثُمَّ رحَلوا مِنْ جبَلِ هار على طريقِ البحرِ الأحمرِ ليَدوروا مِنْ حَولِ أرضِ إِدَامَ

أما السفر الخامس فيصف نفس الموضوع بالشكل التالي:


1. ثُمَّ تحوَّلْنا ورحَلْنا في البَرًيَةِ على طريقِ البحرِ الأحمرِ، كما أمرَني يهوه، ودُرْنا حولَ جبَلِ شَعِيرَ أيَّاماً كثيرةً.
2. وقالَ ليَ يهوه:
3.كُُفُّوا عنِ الدَّورانِ حولَ هذا الجبَلِ وتحوَّلوا نحوَ الشَّمالِ.
4.وقُلْ للشَّعبِ إنكُم ستَعبُرونَ حُدودَ أرضِ أنسِبائِكُم بَني عِشَو المُقيمينَ في شَعِيرَ، فكونوا على حذَرٍ لأنَّهُم سيخافونَ مِنكُم.
5.لا تُواجِهوهُم لأنِّي لن أُعطيَكُم مِنْ أرضِهِم شيئاً، ولو مَوطِئَ قدَمٍ، لأنَّ جبَلَ شَعِيرَ وهَبْتُهُ لعِشَو مُلْكاً.

من المقارنة يظهر أن أرض إدام هي نفسها جبل شعير، وهذا يؤكد الفرضية التي تقول أن جبل سيناء يقع إلى الجنوب من جبل الشراة. بالنسبة لبني عشو (المعروف بعيسو) أنسباء بني إسرائيل فهم نفسهم الإداميون حسب ما تقوله التوراة.

إذن على ما يبدو لي فإن جبل شعير هو جبل الشراة أو جزء منه وجبل هار هو جبل يقع بالقرب منه في جهة الغرب.

هناك أيضا في التوراة منطقة اسمها برية سِين מִדְבַּר סִין (wilderness of Sin)، وبعض الباحثين يزعمون أنها برية صن نفسها. بنوا إسرائيل مروا عبر برية سين قبل أن يصلوا إلى برية سيناء وبعد أن مروا على “البحر الأحمر”، وفيها أكلوا المن والسلوى بعد أن شكوا الجوع إلى موسى:


1.ورحلَ جميعُ بَني إِسرائيلَ مِنْ أَيْلِمَ إلى بَرِّيَة سِينَ التي بينَ أَيْلِمَ وسيناءَ، في اليومِ الخامسَ عشَرَ مِنَ الشَّهرِ الثَّاني لخروجِهِم مِنْ أرضِ مِصْرَ.
2.فألَقوا اللَّومَ على موسى وهارون في البرِّيَّةِ.
3.وقالوا لهما: “ليتَنا مِتْنا بيدِ يهوه في أرضِ مِصْرَ. فهناكَ كنَّا نجلِسُ عِندَ قُدورِ اللَّحمِ ونأكلُ مِنَ الطَّعامِ حتّى نشبَعَ، فلماذا أخرجتُمانا إلى هذِهِ البرِّيَةِ لِتُميتا هذا الجمْعَ كلَّهُ بالجُّوعِ؟”

ومن سفر آخر:


4.وتَأوَّهَ الأوباشُ الذينَ بينَ بَني إِسرائيلَ شَهوةً إلى اللَّحمِ. فجاراهُمُ الكثيرونَ مِنْ بَني إِسرائيلَ وبكَوا وقالوا: “مَنْ يُطعِمُنا لحَمًا؟
5.نذكُرُ السَّمَكَ الّذي كُنَّا نأكُلُه في مِصْرَ مَجَّانا، والقِثَّاءَ والبطِّيخَ والكُرَّاثَ والبَصَلَ والثُّومَ.
6.والآنَ فنُفوسُنا يَبِسَت. لا شيءَ أمامَ عُيونِنا غير المَنِّ”.
7.وكانَ المَنُّ كَبِزْرِ الكُزبرَةِ، ولونُهُ أصفرُ مائِلا إلى البياضِ كلَونِ المُقْلِ.
8.وكانَ الشَّعبُ يَطوفونَ فيَلتَقطونَهُ ويَطحَنونَهُ بالرَّحَى، أو يَدُقُّونَهُ في الهاوَنِ، ويَطبُخونَهُ في القُدورِ ويصنَعونَهُ أقراصا رَقيقةً. وكانَ طَعمُهُ كطَعمِ قَطائِفَ بِزيتٍ،

9.ويَنزِلُ معَ نُزولِ النَّدَى على المُخَيٍّمِ ليلا.

31.وهَبَّت ريحٌ مِنْ عِندِ يهوه فساقَت طَيرَ السَّلوى مِنَ البحرِ وألقَتْهُ على المُخَيٍّمِ، على مَسيرةِ يومٍ مِنْ هُنا ويومٍ مِنْ هُناكَ حَولَ المُخَيٍّمِ، على ارتِفاعِ ذِراعَينِ عَنْ وجهِ الأرضِ.
32.فقامَ الشَّعبُ يجمَعُ السَّلوى طُولَ النَّهارِ واللَّيلِ والغَدِ، فجَمَعَ أقَلُّهم مئَتَي
كَيلَةٍ، فسَطَحوها حَولَ المُخَيٍّمِ لِتَجِفَّ.
33. وبينَما اللَّحمُ بَعدُ بَينَ أسنانِهِم قبلَ أنْ يَمضَغوهُ، اشْتَدَّ غضَبُ يهوه على الشَّعبِ فضَرَبَهم ضَربَةً عظيمةً جِدًّا.

أنا لم أقرأ ما يكفي عن برية سين ولكن من نظرة سريعة يتبين لي أنها لا يمكن أن تكون برية صن نفسها لأن سياق التوراة يدل على أنها تقع قرب سيناء ومدين وهي مجاورة للبحر كما يبدو من النص الذي يتحدث عن هبوب السلوى من البحر، وبالتالي يبدو لي أنها تقع قرب خليج العقبة، ويؤكد هذا الأمر التشابه بين اسمها وبين اسم سيناء (الذي هو في العبرية القديمة مكون من كلمة سين مضافا إليها علامة نسبة ـَيْ، أي سِيْنَيْ. وطبعا “سين” هو اسم إله القمر المعروف قديما عند الساميين).

عبادة القمر هي أمر معروف عند الساميين القدماء، والساميون البدو بالذات (والساميون الجنوبيون عموما) كانوا يعتبرون القمر أعظم آلهتهم. القمر كان أعظم آلهة اليمن القديم، ونفس الأمر ينطبق على منطقة مكة أيضا لأن إله مكة الأعظم قبل الإسلام كان هُبَل الذي هو القمر، وكعبة مكة كانت في الأساس معبدا لهبل قبل أن يتم ربطها بإبراهيم وابنه إسماعيل. بناء على كل هذا لا يستغرب أن يكون جبل سيناء وبرية سين هي أماكن تقع في شمال الحجاز مثلا أو بالقرب منه.

أنا رأيت أن الصهاينة يطلقون حاليا مسمى وادي صن Nahal Zin على واد يقع في شمال شرق صحراء النقب ويصب في وادي عربة، ويطلقون مسمى وادي فأرن Nahal Paran على واد مواز للواد الأول يقع إلى الجنوب منه ويصب أيضا في وادي عربة. لا أدري إن كانت هذه المسميات هي من اختراعهم ولكنني أظن أنها كذلك لأن هذا هو ديدنهم.

كل المواضع التوراتية التي ذكرت حتى الآن هي مواضع تقع في القسم الشرقي من التيه (باستثناء مدين التي تقع في الحجاز، وربما سيناء أيضا) والقسم الشرقي من التيه هو القسم الأهم بالنسبة لتاريخ بني إسرائيل لأنه القسم الذي أمضوا فيه معظم فترة التيه والقسم الذي وقعت فيه معظم الأحداث المهمة. أما القسم الغربي فهو الذي تطلق عليه التوراة مسمى بَرِّيَة سُور מִדְבַּר שׁוּר (wilderness of Shur)، وهو القسم هو الذي عبره بنوا إسرائيل بعد خروجهم من مصر وعبورهم للبحر المنشق كما تقول التوراة. بعض الباحثين يرون أن المقصود بسور هو خط دفاعي أقامته مصر قديما على حدود التيه الغربية لوقف تغلغل البدو.

برية سور هي المكان الذي فرت إليه هاجر جارية إبراهيم المصرية بعد أن اضطهدتها سارة زوجة إبراهيم بسبب حملها بإسماعيل، وذلك حسب ما ورد في السفر الأول من التوراة.

هذا السفر أيضا استخدم مسمى برية سور عند حديثه عن مكان سكن بني إسماعيل:

وَسَكنُوا (شعب إسماعيل) مِن حَوِيلة إلى سُوْر، مُقابِلَ مِصْرَ باتجاهِ أَسُّوْر

حويلة هي مكان غير معروف يقول البعض أنه اليمن أو شمال اليمن أو الحجاز، وسور هي غرب التيه، وأسور هي بلاد آشور (الجزيرة)، والواضح من العبارة هو أن مكان سكن بني إسماعيل كان يمتد من صحراء التيه الغربية المحاذية لمصر باتجاه الشرق (باتجاه أَسُّور)، وهذا يعني ربما أنهم كانوا يسكنون التيه والصحراء السورية بالإضافة ربما إلى الحجاز ونجد وبقية مناطق الجزيرة العربية الممتدة من اليمن إلى سور.

ما سبق هو أهم المناطق التي ذكرتها التوراة في تيه بني إسرائيل، وهناك طبعا أسماء أخرى عديدة وردت في التوراة يعتقد أنها تقع في التيه ولكن هذه الأسماء بمعظمها مجهولة ومن غير الممكن تحديدها.


الطرق البرية القديمة في الجزيرة العربية وموقع دومة الجندل


إذن عربية الصخرية كانت تشمل جبل الشراة وتيه بني إسرائيل. بالإضافة إلى ذلك عربية الصخرية كانت تشمل مناطق من بادية الشام تمتد شرقا باتجاه وادي السرحان ودُومة الجَنْدَل. دومة الجندل هي واحة تقع على الطرف الشمالي لصحراء النفود وهي بلدة ذات شهرة في النصوص الآشورية والبابلية القديمة، وكانت لها أيضا شهرة في الكتابات الإسلامية الباكرة. سبب أهميتها هو أنها تقع في نقطة تقاطع الطرق التجارية القديمة التي كانت تعبر شمال الجزيرة العربية. إلى الشمال منها يقع وادي السرحان الذي يقود إلى بصرى الشام ودمشق، وإلى الشرق منها يمتد الطريق المؤدي إلى الحيرة في العراق، وإلى الجنوب طريق صحراوي إلى جبلي طيء (حائل) ونجد، وإلى الغرب طريق إلى تبوك والحجاز. هذا الموقع هو الذي أكسب هذه الواحة أهمية في العصور القديمة. اسمها أصلا هو دُومة بضم الدال وبدون كلمة الجندل (نفس اسم دومة التي تقع قرب دمشق)، ولكن في العصور المتأخرة صار اسمها ينطق بفتح الدال وأضيفت لها كلمة الجندل (تمييزا لها ربما عن دومة أخرى كانت في العراق).

إذن النبط بسيطرتهم على دومة ووادي السرحان حققوا مكسبا تجاريا هاما، وهم أيضا سيطروا على بصرى الشام وجعلوها ربما عاصمتهم الثانية إلى جانب بطرا، وكانوا يسيطرون على تيه سيناء الذي يقود من الحجاز إلى غزة ومن مصر إلى الشرق والشمال. بهذا الامتداد الجغرافي الهام كان النبط يتحكمون بمعظم التجارة البرية المارة عبر الجزيرة العربية، وهذا ما أكسبهم ثروة كبيرة وجعل شهرتهم تصل إلى أماكن بعيدة.

النبط كانوا يسيطرون أيضا على شمال الحجاز، وتحديدا هم كانوا يسيطرون على المنطقة المسماة بحِسمى (وهي نفسها منطقة مدين القديمة على ما يبدو) وعلى البلدات الواقعة شمال وادي القرى كتَبوك وتَيْماء والحِجْر ودَدَن.

تمدد النبط داخل الحجاز وفي الصحاري الشمالية خلق بلبلة في المفاهيم لدى العرب قديما، وهذه البلبلة نراها واضحة في كتابات الجغرافيين المسلمين الذين تخبطوا في تحديد الحد الفاصل بين الحجاز والشام.

ياقوت الحموي يحدد الشام كما يلي:

وأما حدها فمن الفرات إلى العريش المتاخم للديار المصرية؛ وأما عرضها فمن جبلي طيء من نحو القبلة إلى بحر الروم وما بشأمة ذلك من البلاد… وطولها من الفرات إلى العريش نحو شهر وعرضها نحو عشرين يوما.

هو يقول أن الشام تمتد من جبلي طيء (أي من حائل في شمال نجد) إلى بحر الروم، وهذا يعني أنه يعتبر عربية الصخرية بكاملها من بلاد الشام، بما في ذلك مدن شمال الحجاز كتبوك وتيماء.

تأكيدا لهذا المفهوم نجد القول التالي المنسوب إلى أحمد بن يحيى بن جابر تحت مادة تبوك:

توجه النبي صلى الله عليه وسلم في سنة تسع للهجرة إلى تبوك من أرض الشام وهي آخر غزواته لغزو من انتهى إليه أنه قد تجمع من الروم وعاملة ولخم وجذام فوجدهم قد تفرقوا فلم يلق كيدا

وفي مادة تيماء نجد التالي:

تيماء: بالفتح والمد. بُلَيد في أطراف الشام بين الشام ووادي القرى على طريق حاج الشام ودمشق

إذن ياقوت الحموي يعتبر أن الشام تنتهي عند حدود وادي القرى وأن وادي القرى هو أول الحجاز. هذا المفهوم ليس خاصا بياقوت فقط بل هو موجود عند آخرين غيره، كالقزويني مثلا الذي يقول:

الشام هي من الفرات إلى العريش طولا، ومن جبلي طيء إلى بحر الروم عرضا

في المقابل هناك آخرون لديهم مفهوم مخالف، كالإصطخري الذي يقول ما يلي:

وأما الشام فإن غربيها بحر الروم، وشرقيها البادية من أيلة إلى الفرات، ثم من الفرات إلى حد الروم، وشماليها بلاد الروم، وجنوبيها حد مصر وتيه بني إسرائيل، وآخر حدودها مما يلي مصر رفح، ومما يلي الروم الثغور، وهي ملطية والحدث ومرعش والهارونية والكنيسة وعين زربة والمصيصة وأذنة وطرسوس والذي يلي الشرقي والغربي مدن قد ذكرها في تصوير الشام، ” وفي إعادتها تطويل “. قد جمعت الثغور إلى الشام، وبعض الثغور تعرف بثغور الشام، وبعضها تعرف بثغور الجزيرة، وكلاهما من الشام، وذلك أن كل ما وراء الفرات من الشام، وإنما سمي من ملطية إلى مرعش ثغور الجزيرة، لأن أهل الجزيرة بها يرابطون وبها يغزون، لا لأنها من الجزيرة.

الإصطخري يرى أن الحد الجنوبي للشام يبدأ من أيلة ويسير بمحاذاة تيه بني إسرائيل إلى الجفار. إذن هو يخرج حسمى وتبوك وتيه بني إسرائيل من الشام.

هناك مفهوم مشابه لمفهوم الإصطخري في معجم البلدان تحت مادة سرغ:

سرغ: بفتح أوله وسكون ثانيه ثم غين معجمة سروغ الكرم قضبانه الرطبة الواحدة سرع بالعين والغين لغة فيه. وهو أول الحجاز وآخر الشام بين المغيثة وتبوك من منازل حاج الشام وهناك لقي عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمراء الأجناد وبينها وبين المدينة ثلاث عثرة مرحلة. وقال مالك بن أنس: هي قرية بوادي تبوك وهي آخر عمل الحجاز الأول وهناك لقي عمر بن الخطاب من أخبره بطاعون الشام فرجع إلى المدينة

هذا الكلام الذي أورده ياقوت في كتابه ينسف كلامه السابق عن حدود الشام، مما يدل على أنه نقل هذا الكلام من أحد المصادر بدون أن يفكر فيه، أو ربما هو لا يعلم أين تقع سرغ. سرغ حاليا تسمى المُدَوَّرة وهي تقع في أقصى جنوب الأردن قرب الحدود السعودية على طريق تبوك.

بالإضافة إلى المفهومين السابقين لحدود الشام نجد مفهوما ثالثا أورده ياقوت نقلا عن إبراهيم الحربي تحت مادة الحجاز:

وعن إبراهيم الحربي أن تبوك وفلسطين من الحجاز

إذن يمكننا أن نقول أن حدود الشام عند المسلمين تتراوح ما بين أن تكون ممتدة في عمق الجزيرة العربية إلى حدود جبل شمر وما بين أن تكون منحسرة إلى ما قبل فلسطين. هذه هي البلبلة التي قصدتها.

قرأت لكاتب يهودي معاصر نظرية يحاول فيها أن يشرح سبب هذه البلبلة. هو يقول أن سبب اعتبار المسلمين لتيماء من الشام هو أن عمر بن الخطاب عندما أخرج اليهود من الجزيرة العربية لم يخرج يهود تيماء، ففسر المسلمون هذا على أن تيماء من الشام وليست من الجزيرة العربية. طبعا أنا أستبعد صحة هذا الكلام ولذلك لسبب بسيط هو أن غالبية الآراء القديمة والمعاصرة تقول أن عمر بن الخطاب أخرج اليهود من تيماء ولم يبقهم فيها، وياقوت الحموي نفسه عندما تحدث عن تيماء نقل هذا الرأي الذي يقول بأن عمر أخرج اليهود منها. وبالتالي الربط بين حدود الشام وقصة يهود تيماء هو في رأيي نظرية غير صحيحة.

سبب البلبلة حول حدود الشام يعود ببساطة إلى تاريخ منطقة عربية الصخرية. هذه المنطقة تغيرت حدودها كثيرا عبر التاريخ وكذلك تغير تواجد الرومان فيها ومدى سيطرتهم عليها، ولهذا السبب نشأت البلبلة عند العرب حول هويتها وما إذا كانت من الشام أم الحجاز.

أنا قلت سابقا أن جبل الشراة في التاريخ القديم (مثلا في التوراة) لم يكن يعتبر من منطقة عبر الأردن، وأيضا أنا بينت رأيي في أن هذا الجبل هو ربما نفسه جبل شعير التوراتي، أي أن هذا الجبل هو باختصار جزء من الجزيرة العربية طالما أنه ليس من شرق الأردن ولا من فلسطين.

السؤال هو هل جبل الشراة جزء من الحجاز أم من بادية الشام؟ طبعا ياقوت الحموي يعتبر أنه من الشام:

والشراة أيضا صقع بالشام بين دمشق ومدينة الرسول صلى الله عليه وسلم ومن بعض نواحيه القرية المعروفة بالحميمة التي كان يسكنها ولد علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب في أيام بني مروان.

وياقوت يعتبر أيضا أن حسمى من بادية الشام، وهذا أمر مفهوم طالما أن الشام عند ياقوت تصل إلى حائل. ولكن أغلب الكتاب الغربيين حاليا يعتبرون أن جبال حسمى هي امتداد جيولوجي لجبال سراة الحجاز ولهذا السبب حسمى عندهم تعتبر امتدادا للحجاز وجزءا منه.

الحدود الحالية بين الأردن والسعودية مبنية على هذا الفهم. حاليا حسمى تشكل أقصى شمال الحجاز في السعودية والشراة والعقبة تشكل أقصى جنوب الأردن.

جبل الشراة هو في رأيي ليس من الحجاز وإما من بادية الشام أو من تيه بني إسرائيل. الحد الشمالي للحجاز في رأيي هو تقريبا وادي رَمّ الذي يفصل جبال الشراة عن جبال حسمى.

بالنسبة لتيه بني إسرائيل فهو حاليا لا يصنف من ضمن الجزيرة العربية رغم أنه تاريخيا جزء منها. وصف سكان تيه سيناء بالعرب هو أمر قديم يعود إلى زمن الآشوريين والبابليين. أيضا السفر الأول التوراتي يقول أن إخوة يوسف باعوه لتجار مدينيين أو إسماعليين راحلين إلى مصر، والمدينيون والإسماعيليون هي مرادفات للعرب. هيرودوت قال بصراحة أن العرب كانوا يسكنون شبه جزيرة سيناء في زمانه، وعلى الأغلب أن كل كلام هيرودوت عن العرب كان يقصد به عرب شبه جزيرة سيناء هؤلاء، ومن وصفه لهم يتبين أنهم كانوا عربا كالعرب المعروفين الآن وليسوا آراميين أو عبرانيين مثلا. هيرودوت أطلق مسمى “عربية” على شبه جزيرة سيناء وصحراء شرق مصر، ومن بعده ظهر مسمى عربية الصخرية عند بطليموس وغيره والذي كان يشمل صحراء سيناء.

في الكتاب المقدس المسيحي (“العهد الجديد”) هناك نص لرسالة أرسلها القديس بولس إلى سكان مدينة غلاطية قي آسيا الصغرى، وفي هذه الرسالة يذكر بولس جبل سيناء ويصفه بعبارة “جبل سيناء في العربية” mount Sinai in Arabia. بولس كتب هذه الرسالة في القرن الأول الميلادي وعلى الأغلب أنه قصد بجبل سيناء الطور المعروف في جنوب شبه جزيرة سيناء.

اسم وادي عَرَبة هو ربما مأخوذ من كلمة عَرَبة עֲרָבָה العبرية أو الكنعانية، وهذه الكلمة تعني الصحراء أو البرية وهي مشتقة من الجذر عرب الذي هو نفسه الجذر الذي اشتق منه اسم العرب، وياقوت الحموي كان يدرك هذا الأمر ولذلك قال في بداية ترجمته لعربة:

عربة: بالتحريك. وهي في الأصل اسم لبلاد العرب.

إذن وادي عربة وتيه بني إسرائيل هي مناطق مرتبطة بالعرب منذ القدم. أما البلقاء والحوران وفلسطين فهي مناطق وصفها اليونانيون منذ القدم بأنها من سورية. هيرودوت مثلا قال حرفيا أن جنوب غزة يسكنه العرب وشمالها يسكنه السوريون. كلمة “السوريين” عند اليونانيين القدماء لم تكن تعني شعبا واحدا وإنما كانت مصطلحا عاما يطلقونه على كل سكان سورية الكبرى، وهم كانوا يدركون أن هذه المنطقة لا يسكنها شعب واحد وخاصة المتأخرين منهم كإسطرابون مثلا الذي ذكر أن سكان سورية ليسوا شعبا واحدا.

الرومان سيطروا على مملكة النبط في عام 62 قبل الميلاد، وفي عام 106 ميلادي ألغى ترايان هذه المملكة وحولها إلى مقاطعة رومانية باسم عربية الصخرية، وهذه المقاطعة (كغيرها من المقاطعات التي تقع في منطقة سورية الكبرى) كانت تابعة إداريا لحاكم سورية العام المقيم في أنطاكية.

الرومان اهتموا بالمقاطعة العربية وكان في نيتهم المحافظة عليها، ولهذا السبب بدؤوا فور إنشائها بشق طريق كبير يمتد من بصرى إلى العقبة، وهذا الطريق عرف باسم “الطريق التراياني الجديد” Via Traiana Nova (تمييزا له عن الطريق التراياني القديم الموجود في إيطاليا). الرومان كان من عادتهم فور استيلائهم على منطقة شق طريق سريع يوصل إليها لتسهيل نقل القوات إليها بسرعة عند الحاجة.

المقاطعة العربية في بدايتها كانت تضم فقط صلخد وبصرى من حوران (وبصرى كانت العاصمة)، ولكن الرومان وسعوها تدريجيا حتى صارت في نهاية القرن الثاني (في عهد Septimius Severus) تضم جبل العرب (Auranitis) واللَجاة (Trachonitis) (والمقصود باللجاة الهضبة البركانية الممتدة بين جبل العرب وريف دمشق). وفي نهاية القرن الرابع غير ديوقلطيان Diocletianus التقسيم كليا حيث أنه جعل حوران مع معظم شرق الأردن مقاطعة باسم عربية (Provincia Arabia)، أما المناطق الممتدة جنوب وادي الموجب وحتى حدود مصر (التي وصفتها سابقا) فجعلها مقاطعة جديدة باسم فلسطين الثالثة Palaestina Tertia أو فلسطين الصحيحة Palaestina Salutaris. وهذه التقسيمات ظلت قائمة حتى الفتح الإسلامي وهي تمثل أساس التقسيم الإسلامي إلى أجناد (جند فلسطين هو فلسطين الأولى وجند الأردن هو فلسطين الثانية، أما عربية وفلسطين الثالثة فكلتاهما ضمتا إلى جند دمشق باستثناء تيه سيناء ربما).

بالنسبة لمناطق شمال الحجاز كتبوك والحجر فهذه المناطق كان الباحثون سابقا يعتبرون أن وجود الرومان فيها كان اسميا، وهم كانوا يستندون في هذا الاعتقاد إلى أن هذه المناطق كانت تقع ضمن ما سماه الرومان باسم “الحد العربي” Limes Arabicus، وكلمة “الحد” limes تعني عند الرومان محيطا دفاعيا. كثير من الباحثين كانوا يرون أن الرومان كانوا يستعينون بقبائل عربية لحماية الحد العربي ولم يكن لهم تواجد حقيقي في تلك المنطقة، ومما دعم اعتقادهم هذا المعطيات التاريخية التي تقول بأن الرومان بدوؤا منذ القرن الرابع على الأقل يعتمدون في حماية حدود “الشرق الروماني” Oriens Romanus على أحلاف foederati من القبائل العربية كقبيلة تنوخ (القرن الرابع) وبني صالح (القرن الخامس) والغساسنة (القرن السادس).

ولكن التنقيبات الأثرية التي جرت في أواخر القرن العشرين في شمال الحجاز وبادية الشام أظهرت صورة مغايرة، حيث أن التنقيبات أظهرت أن الرومان كان لديهم خط دفاعي حقيقي يمتد من شمال شرق وادي السرحان ويمتد حتى مدينة الحجر الأثرية، وهذا الخط كان مكونا من حصون عسكرية castra (من هذه الكلمة جاءت كلمة “قصر” العربية) تضم جنودا رومانا نظاميين، وعثر في مدينتي تبوك والحجر على بقايا لحاميات عسكرية رومانية نظامية، وفي مدينة الحجر عثر على نقوش لاتينية تؤكد تواجد الرومان في هذه المنطقة التي تقع على حدود وادي القرى من جهة الشمال. وعثر حديثا قرب مدينة العقبة على بقايا لمعسكر روماني كان يضم فيلقا رومانيا كاملا.

ليس هذا فقط بل إن المستشرقين والباحثين توصلوا من خلال قراءة النقوش التي عثر عليها في مدينة الحجر إلى مفاجآت، ومن هذه المفاجآت أن سكان الحجر من العرب كانوا يعتبرون أنفسهم يعيشون في الدولة الرومانية.


“نقش رقوش”. الكتابة العمودية على اليمين هي بالخط “الثمودي” وتقول “ذن رقش بنت عبد منت” (هذه رقوش بنت عبد مناة)


من النقوش الشهيرة والمهمة التي عثر عليها في الحجر “نقش رقوش” الذي يعود للقرن الثالث الميلادي، ومايلي هو نصه بالكتابة النبطية:


تا قبرو صنعه كعبو بر
حرتت كرقوش برت
عبد منوتو امه وهي
هلكت في الحجرو
سنت مئه وستين
وترن بيرح تموز ولعن
مري علما من يشنا القبر
دا ومن يفتحه حشي[و]
ولده ولعن من يقبر ويعلي منه

هذا النص ينتمي لصنف الكتابات النبطية المتأخرة التي يسميها المستشرق Knauf باسم Arabo-Aramaic، بمعنى أنها خليط من العربية والآرامية. الكلمات باللون الأزرق هي آرامية والكلمات الباقية هي إما عربية أو مشتركة بين العربية والآرامية.

ما يلي هو ترجمة النص إلى اللغة العربية الحالية، وبالنسبة للجزء الملون بالأحمر فترجمته هي تكهن من عندي لأنني وجدت أن المصادر غير متفقة على ترجمته (وحتى قراءته غير أكيدة لأن الكتابة النبطية غير منقطة وبالتالي الكلمة التي قرأها المستشرقون “حشي” ربما تكون “خسي” مثلا):


هذا قبر صنعه كعب بن
حارثة لرقوش بنت
عبد مناة أمه وهي
هلكت في الحجر
سنة مئة وستين
واثنين بشهر تموز والعن
سيد العالم من يعتدي على القبر
هذا ومن يفتحه ؟
ولده والعن من يقبر فوقه

طبعا مثل هذا النص هو أمر معتاد لدى عرب الشمال في تلك الأزمنة الذين كان معظمهم يتقن الآرامية ويكتب بها، ولكن الملفت فيه هو أن كاتبه يعتبر سنة إنشاء إقليم عربية الصخرية الروماني (سنة 106) بداية للتقويم، ولهذا السبب هو كتب “سنة مئة وستين واثنين” التي تعادل سنة 267 بالتقويم الميلادي. هذا الأمر يدل على أن كاتب النص كان يعتبر نفسه مقيما في الدولة الرومانية وليس مجرد حليف (foederatus) للرومان.

حاليا الباحثون يرون أن إقليم العربية كان مستقرا جدا تحت حكم الرومان ولم يكن له علاقة بالصورة التقليدية التي كانت تصوره على أنه منطقة صراع دائم مع قبائل البدو. هناك مستشرقون نبهوا إلى نقطة لافتة وهي أنه خلال فترة الحرب الأهلية الرومانية في نهاية القرن الثاني الميلادي كان موقف مقاطعة العربية منحازا إلى الغرب (إلى Septimius Severus المتمركز في روما) ضد الشرق (المتمثل في Pescennius Niger المتمركز في أنطاكية عاصمة سورية). في تلك الفترة كل المقاطعات الشرقية بايعت Niger ما عدا مقاطعة العربية التي ظلت موالية لـ Severus من البداية إلى النهاية، ولهذا السبب فإن Severus بعد أن احتل سورية في عام 194 نكل بها وفصل جبل العرب واللجاة عن سورية وضمهما إلى العربية ونقل على ما يبدو مقر الفيلق الروماني المتمركز في القدس إلى العربية.

التواجد الروماني ثم البيزنطي في شمال الحجاز ظل قائما حتى القرن السادس، وهو القرن الذي ولد فيه الرسول. القرن السادس كان من أسوأ القرون في تاريخ الدولة البيزنطية لأنه شهد سلسة من الكوارث الداخلية والحروب الخارجية المدمرة، ولهذا السبب ربما فإن البيزنطيين سحبوا قواتهم من جنوب سورية وأوكلوا مهمة حماية هذه المنطقة بالكامل لحلفائهم الغساسنة، والغساسنة انهاروا في بداية القرن السابع فانفتح الطريق أمام عرب الحجاز المسلمين لكي يندفعوا شمالا ويسقطوا السيطرة البيزنطية عن سورية بالكامل.

هذا التاريخ في رأيي يشرح سبب البلبلة لدى المسلمين في تحديد حدود الشام، لأن هذه الحدود تراجعت بسرعة خلال فترة قصيرة من الزمن لا تتجاوز القرن. البيزنطيون في نهاية القرن الخامس كانت لديهم حاميات في تبوك والحجر، ولكنهم خلال القرن السادس تراجعوا شمالا وتركوا مناطق عربية الصخرية بالكامل للغساسنة، ثم بعد ذلك انهار الغساسنة وأصبح جنوب سورية البيزنطية عمليا جزءا من مناطق جزيرة العرب التي لا تخضع لسيطرة أحد.

فبراير 15, 2012 / Hani

الأسد يحلق للمعارضة على الناعم

نشرت اليوم مسودة الدستور السوري الجديد، وأهم ما ورد فيها في رأيي هو المادتان 152-153:

المادة الثانية والخمسون بعد المئة

لا يجوز لمن يحمل جنسية أخرى، إضافة للجنسية العربية السورية، أن يتولى مناصب رئيس الجمهورية أو نائبه أو رئيس مجلس الوزراء أو نوابه أو الوزراء أوعضوية مجلس الشعب أو عضوية المحكمة الدستورية العليا.

المادة الثالثة والخمسون بعد المئة

لا يجوز تعديل هذا الدستور قبل مرور ثمانية عشر شهراً على تاريخ نفاذه.

هذه المواد تعني أن الأسد قطع الطريق نهائيا على إدخال أي فرد من أفراد المعارضة الخارجية في الحكومة القادمة أو حتى في مجلس الشعب، بمعنى أنه قطع الطريق على أية تسوية سياسية بينه وبين المعارضة الخارجية.

هذه المواد تعني أن الأسد لا يعترف بـ”معارضة السفارات” كما سماها ولم يعد يريد التفاهم معها.

زوجة الرئيس

بعيدا عن قضية المعارضة، هناك فقرة غريبة وردت في الدستور:

المادة الرابعة والثمانون

يشترط في المرشح إلى منصب رئيس الجمهورية ما يأتي:

1-         أن يكون متماً الأربعين عاماً من عمره.

2-         أن يكون متمتعاً بالجنسية العربية السورية بالولادة، من أبوين متمتعين بالجنسية العربية السورية بالولادة.

3-         أن يكون متمتعاً بحقوقه المدنية والسياسية، وغير محكوم بجرم شائن ولو رد إليه اعتباره.

4-         أن لا يكون متزوجاً من غير سورية.

5-         أن يكون مقيماً في الجمهورية العربية السورية لمدة لا تقل عن عشرة سنوات إقامة دائمة متصلة عند تقديم طلب الترشيح.

الذين كتبوا هذه الفقرة الغريبة لم ينتبهوا إلى أن الدستور لا يمنع المرأة من تولي رئاسة الجمهورية (لا أذكر أنني رأيت فيه ما يمنع ذلك)، وبالتالي فالسؤال هو ماذا لو ترشحت امرأة لمنصب الرئيس وكانت متزوجة من رجل غير سوري؟

حسب الدستور لا شيء عليها وترشحها مشروع، اللهم إلا إذا كانت متزوجة من امرأة كما يوجد في بعض الدول الغربية، ولكن مثل هذا الزواج لا يعترف به في سورية.

فبراير 15, 2012 / Hani

ماذا سيقول الأسد لأصدقائه المسيحيين؟

النظام السوري يطرح نفسه دائما على أنه نظام علماني حام للأقليات، وهو يروج لهذه المقولة خصيصا في لبنان ومن يستمع لأصدقاء النظام السوري المسيحيين هناك فإنه يسمعهم دائما يركزون على هذه المقولة وعلى أن النظام السوري حام للمسيحيين وأن من مصلحتهم دعمه.

بعد أيام سوف تصدر مسودة الدستور السوري الجديد، والمسيحيون سوف يقرؤون هذه المسودة وسوف يفاجؤون بالمادة التحفة التي تتحدث عن منع المسيحي من الترشح للرئاسة، وبهذا سوف يتأكد الجمهور المسيحي في لبنان وغيره من صحة مزاعم النظام السوري عن أنه نظام داعم للمسيحيين.

أنا كنت أتصور أن النظام السوري سوف يزيل على الأقل الفقرة الأولى من المادة الثالثة التي تتحدث عن منع المسيحي من الترشح للرئاسة. المادة الثالثة في الدستور السوري مكونة من فقرتين، الأولى تنص على منع المسيحي من الترشح للرئاسة والثانية تنص على أن الشريعة الإسلامية هي مصدر أساسي للتشريع. لو كان النظام السوري أزال الفقرة الأولى وأبقى الثانية لكان هذا حلا وسطا مقبولا ولكنا انتهينا من هذه المشكلة، ولكن الغريب هو أن النظام السوري أبقى المادتين بدون أي تغيير تحت حجة حماية الأمن، وكأن الأمن في سورية مستتب وإزالة المادة الثالثة هي ما سيعكر صفوه.

سورية في حالة شبه حرب أهلية وتخوض منذ أشهر حربا كونية مع أميركا وأتباعها، فعن أي أمن يتحدث النظام السوري؟ وهل إزالة الفقرة الأولى من المادة الثالثة هي ما سيهدم هذا الأمن المزعوم؟

المعارضة السورية غير مهتمة بموضوع المادة الثالثة وهي تريد رأس الأسد سواء بقيت المادة الثالثة أم أزيلت، وبالنسبة لأهل دمشق وحلب فأنا أستبعد أن يعلنوا الثورة ضد النظام إذا أزيلت الفقرة الأولى من المادة الثالثة.

أنا أسمع من كثير من الناس أنهم يريدون أن يكون هناك في الدستور ما ينص على “الهوية الإسلامية” لسورية. الفقرة التي تتحدث عن الشريعة الإسلامية هي في رأيي كافية لتحقيق هذا الهدف ولا داعي لكي نقحم التحاصص الطائفي في الدستور حتى نضمن الهوية الإسلامية.

الفقرة التي تتحدث عن دين الرئيس لا علاقة لها بالهوية الإسلامية بل هي نابعة من تعصب ومرض نفسي. المسيحيون في سورية هم أقلية صغيرة وهم لا يشكلون تهديدا ديموغرافيا أو دينيا. لا يوجد خطر على “الهوية الإسلامية” لسورية من المسيحيين، وإزالة الفقرة المذكورة من الدستور لن تؤدي إلى وصول رئيس مسيحي للحكم إذا كان الشعب لا يريد ذلك.

لا يوجد أحد يخطط لتنصيب رئيس مسيحي على سورية، وفي حال ترشح شخص مسيحي للرئاسة فلن يذهب أحد إلى بيوت الناس ويجبرهم على التصويت له. المادة التي تتحدث عن دين الرئيس ليس لها أي مبرر ديني أو أخلاقي أو عملي وهي تعبر فقط عن أزمة نفسية مستحكمة لدى من وضعها في الدستور.

ما الذي سيحصل لو ترشح شخص مسيحي للرئاسة وصوت له بعص الناس؟ هل هذا سيهدم الهوية الإسلامية لسورية؟ ولو كان التصويت للمسيحي مخالفا للدين فهل الدين يفرض فرضا على الناس؟

بصراحة من المعيب أننا ما زلنا نتناقش في هذه الأمور في هذا الزمن. بعض المتفذلكين يشبهون دستورنا بدساتير بعض الدول الغربية التي تشترط دينا ومذهبا معينا لرئيس الدولة. الرد على هؤلاء هو أن سورية ليست كتلك الدول ونحن مجتمع نعاني من أزمة طائفية مستحكمة منذ مئات السنين.

العلمانية في بعض الدول هي رفاهية. مثلا الدول الأوروبية ودول أميركا الجنوبية التي تشترط دينا معينا لرئيس الجمهورية هي كلها دول لا تعاني من أزمة طائفية أو دينية. بالنسبة لهم موضوع العلمانية هو أقرب للترف الفكري والاجتماعي. أما في سورية فنحن مجتمع كان يعيش في ظل السلطنة العثمانية التي كانت تقسم المجتمع إلى طوائف دينية وتجعل كل طائفة دولة قائمة بذاتها، وخلال العصر العثماني وما قبله جرت حروب ومذابح طائفية رهيبة. حتى بعد انتهاء الدولة العثمانية فإن القضية الطائفية لم تنته بل بالعكس جاءتنا فرنسا وفاقمت المشكلة عندما اعتبرت أن كل طائفة دينية هي شعب قائم بذاته، وبعد رحيل فرنسا لم تنته المشكلة بل تفاقمت بسبب وجود الإسلاميين الرجعيين الذين كانوا (وما زالوا) يرون أن النموذج العثماني الطوائفي هو النموذج القويم الذي يجب العودة إليه.

القضية الطائفية في سورية هي خطر وجودي وتهديد رهيب للسلم الاجتماعي. ألا يكفي هذه الثورة السورية التي نعيشها الآن حتى نعلم أن القضية الطائفية هي مشكلة كبيرة وخطيرة؟

رغم كل ذلك يأتي بعض المتفذلكين ليقارنوا وضعنا بوضع الدول الغربية التي لم يشهد معظمها أية مشاكل دينية منذ قرون.

بالنسبة للمجتمع السوري المادة الثالثة هي شيء خطير لأن آخر ما ينقصنا هو نصوص وقوانين تشجع الروح الطوائفية العثمانية. نحن بحاجة لقوانين تشجع الروح الوطنية وليس العكس.

أنا لا أطالب أحدا بالتصويت لشخص مسيحي للرئاسة، ولكن موضوع القوانين هو شيء آخر يختلف عن الرغبات الشخصية. كل إنسان حر في خياراته وقراراته الشخصية ولكن لا يجوز لأحد أن يفرض نعراته على باقي الناس وأن يحول هذه النعرات إلى مادة في صدر الدستور.

أنا من أنصار التصويت بلا على الدستور الجديد ولكن للأسف سيرغي لافروف يبدو متحمسا للدستور وهذه مشكلة جديدة. الآن روسيا صارت هي الأخرى تراهن على الدستور الجديد، وهذا يعني أن التصويت بلا على الدستور لن يضرب النظام السوري فقط وإنما سيضرب روسيا أيضا.

للأسف الظروف تصب في مصلحة النظام السوري لتمرير دستوره الرجعي بنسبة تأييد كبيرة. من الذي سيجرؤ الآن على دعوة الناس للتصويت بلا؟

الإصلاح والثورة الحقيقية لا تكون في هوية من يحكم البلد ولا في آليات تغيير الحكم. من يظن أن هذه هي الثورة فهو أخذ ثقافته من الأفلام الأميركية. الثورة الحقيقة تكون في المجال الاجتماعي والاقتصادي والمؤسساتي، أما تغيير الرئيس برئيس آخر فهذه ليست ثورة بل مهزلة أميركية.

الثورة تكون في تحقيق المزيد من المساواة في المجتمع، وإعطاء المزيد من الحريات للناس، وفي تحسين المؤسسات والاقتصاد والتعليم والصحة. هذه هي مجالات الثورة. أما الثورة التي تأتي ببعض المتخلفين والعملاء إلى الحكم لكي يعيدوا البلد إلى الوراء فهذه ليست ثورة. تغيير الرئيس كل أربع سنوات ليس ثورة وليس علامة على التقدم. هو مجرد تفاهات أميركية استعمارية.

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 70 other followers